تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٦ - رموز قرآنية و لوائح ربانية
ثم إنه قد وردت الروايات في باب المتولي لهذه العمارة و الآخذ لطينة وجود هذا المسجد الجامع متفاوتة، ففي بعضها:
إن الجامع لأجزاء بدنه و ترابه هم الملائكة. و في بعضها: إن الآخذ لتراب قالبه هم رسل اللّه، ليكون لهم الرسالة إلى عباده [١]، و في بعضها: إن ملك الموت قد أخذ قبضة من التراب [٢]، و في بعضها: إن الله تعالى قبض بيده قبضة من أديم الأرض [٣].
فهذه الروايات كلها صادقة الفحوى متوافقة المعنى عند الواقف على حقيقة ذات الإنسان، فإن في ذاته و طينته اصولا أربعة: ففيها الطينة النباتية لحياته النباتية من التغذية و التنمية و التوليد، و فيها الطينة الحيوانية للإحساس و التحريك، و فيها المادة النفسانية و العقل الهيولاني الذي هو محل الحيوة العقلية بمعرفة الحقائق، و فيها الطينة القدسية التي هي محل معرفة اللّه، و هي الفانية عن ذاتها و الباقية ببقاء اللّه.
فأما الطينة النباتية فهي التي قبضها الملائكة الموكلة بعمارة هذا العالم العنصري، فأحياها اللّه بالماء، كقوله مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [٢١/ ٣٠].
و أما طينته الحيوانية فهي التي جاء بها رسل اللّه بأمره، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١٧/ ٨٥] أي حاصلة من عالم الأمر.
و أما حصة طينته التي ينشأ منها النفس النطقي فهي التي تكون حياتها بنفخه تعالى روحه فيها، لقوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [١٥/ ٢٩].
و أما حصة طينة من كان عبدا مؤمنا عارفا باللّه فانيا عن ذاته باقيا ببقائه تعالى فهي التي قبضها اللّه تعالى و أحياها بروح القدس، لقوله تعالى في حق عيسى- على نبيّنا و آله و عليه السّلام-: وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [٢/ ٢٥٣].
[١] راجع علل الشرايع: ٢.
[٢] بحار الأنوار: باب فضل آدم و حوا ...: ١١/ ١٠٣. الدر المنثور: ١/ ٤٧.
[٣] بحار الأنوار: الباب السابق: ١١٦.