تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٨ - رموز قرآنية و لوائح ربانية
هو موت هذا العالم الصغير و القيامة الصغرى
لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من مات فقد قامت قيامته» [١]
و سبب حيوة الجسد الإنساني استكمال النفس و بلوغها إلى غايتها و كمالها، و وصولها إلى عالمها و معدنها، و سبب حيوة جسمية العالم بلوغ روحها إلى عالم الربوبية و اختصاص ملكها للّه الواحد القهار، و اللّه سبحانه خالق الموت و الحيوة لقوله تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٦٧/ ٢].
فإذا وقعت الواقعة و قامت القيامة يرجع الأمر كله إلى اللّه: إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [١١/ ١٢٣] ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [٦/ ٩٦] و يعود الخلق إلى الخالق، مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [٢٠/ ٥٥] هذا في القيامة الصغرى، فالأرواح كلها ترجع إليه تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [٤٢/ ٥٣] و الأجساد كلها ترجع إلى العدم و الكمون و البطون، لأن مبادي حصولها جهات العدم و القوة و الإمكان.
و من هاهنا يعلم سر شريف، هو إن الموت لا خبر له عن أن الخلق و الأمر متى تفارق كل منهما عن صاحبه، بل في الإنسان خلقة الحيوان و النبات مما قد فنت و تلاشت و هي في الذوبان و الاضمحلال دائما لقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [٥٥/ ٢٦] و بقيت حقيقة الإنسانية و الملكية، أي حقيقة عقله و روحه،
لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «خلقتم للبقاء و لم تخلقوا للفناء» [٢].
مثال ذلك الجوز، فله لبّان- لبّ و لبّ اللبّ- و قشران- قشر و قشر القشر- فاللبان أحدهما بمنزلة العقل و الآخر بمنزلة الروح القدسي صالحان للاغتذاء و الدواء، كما ان الحيوة الإنسانية و الملكية من أهل الجنان و خدمة الرحمان، و القشران بمنزلة النبات و الحيوان، خلقتا للفناء و الاحتراق بنار الطبيعة.
[١] قال العراقي: أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت (ذيل احياء علوم الدين ٤/ ٤٩٥)
. [٢] مر الحديث آنفا.