تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٥ - وله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ١٣
و إليه الإشارة بقوله: «وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي» أي بحسب اقتضاء العناية الأزلية و القضاء السابق، و كثيرا ما اطلق القول و الكتابة من قبل اللّه سبحانه، و يراد الفعل من جهة ما يوجبه التقدير الأزلى المنوط بالأسباب القصوى الإلهية، كقوله تعالى وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [٤١/ ٢٥] و قوله: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [٦/ ١٢].
«لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ» أي جهنم الطبيعة السفلية التي ستطلع نيرانها و يبرز إيلام عذابها في الآخرة، فإن حقيقة نار الجحيم إنما نشأت من هذا العالم، و أما ظهورها على الأفئدة، فهو مختصّ بيوم الآخرة، فكما ان الدنيا مملوّة من الكفار و الفجار، فكذا جهنم الآخرة مملوة من الجن و الإنس أجمعين، و هم أكثر عمّار هذا العالم من النفوس المكارة الوهمانية و الأرضية الجاسية الغليظة الطبائع، لما مر ان النظام لا ينصلح إلا بأن يكون هذا العالم مشحونا بالجهلة و الأرذال و الكفرة و المنافقين، و ان أهل اللّه لا يكونون إلا الأقلين، مع أن غيرهم من أشخاص المواليد ما خلقت إلا لأجلهم، لأنهم اللبّ الأصفى من شجرة الطبيعة، و الباقي بمنزلة القشور على مراتبها، فحقّت عليهم كلمة العذاب، كما حقّت على العود و الحطب الاحتراق بالنار، لما صدر عنهم ما يؤدى إلى ذلك على وجه الإختيار المنبعث عن الأسباب الغائبة لا على وجه الإلجاء و الاضطرار، لأنهم استحبّوا العمى على الهدى، فوقعوا باختيارهم في المحنة و البلوى، و ألقوا أنفسهم بأيديهم إلى الهلكى.
فإن قلت: إذا كان الكل بقضاء اللّه و قدره فلما ذا يعاقب اللّه من ساقة القدر إلى ارتكاب الجرائم و الخطيئات؟
قيل: هذا السؤال منك ناش من جهلك بحقيقة العقوبات الإلهية، فإنك لاعتيادك بأفاعيل الناقصين من المختارين كإنعامهم على الصديق و انتقامهم عن العدو، الناشين من اعتقاد النفع و دفع ألم الغضب و الغيظ، تعتقد ان العقوبات الاخروية من باب الانتقام للتشفي الحاصل منه للمنتقم، فيتخلّص به عن الم التهاب نار الغضب، هيهات