تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٣ - اللائحة الرابعة في التخلص عن أصل الإشكال على طريقتي الحكماء و الصوفية
و أما على طريقة أهل التصوّف فبأن للّه تعالى في ذاته و في عالم إلهيّته شئونا و حيثيّات مسماة بأسماء و صفات- كما يعرفه أهل اللّه لا على وجه يقدح في أحديته الحقّة- و هو سبحانه مع تلك الشؤون و الحيثيّات مبدأ للكل و عالم بالأشياء و قادر على جميع الممكنات، و لو خرج شيء من الأشياء من علمه و قدرته و تأثيره و إيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئيّة الكل، و هو مع ذلك منزّه عن فعل القبائح و الشرور و لكن لا بالوجه الذي بلغ فهم المعتزلة إليه، و إلا لناقض كونه مبدءا للكل، و في كونه مالك الملك.
بل الوجه أن يقال: وجود العالم بجميع أجزائه و أفراده المتكثّرة و المتخالفة على هذا الوجه المشاهد ظلال لأسمائه المتعدّدة المتخالفة، على وجه كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن، و لكلّ منها أثر خاصّ و مظهر و معلول معين كالمبدع و الكائن، و المحسوس و المعقول.
و على هذا القياس فنقول: إن لله سبحانه صفتي «لطف و قهر» و من الواجب في الحكمة أن الملك- و لا سيّما ملك الملوك- يكون هكذا، إذ كلّ منهما من أسمائه الحسنى و من أوصاف الكمال، و لا يقوم أحدهما مقام الآخر و من منع ذلك كابر و عاند، و لا بدّ لكل من هاتين الصفتين من مظهر.
فالملائكة و من ضاهاهم من المؤمنين و الأخيار مظاهر اللطف، و الشياطين و من والاهم من الكفار و الأشرار مظاهر القهر؛ و مظاهر اللطف هم أهل الجنة و الأعمال المستتبعة لها، و مظاهر القهر هم أهل النار و الأعمال المعقّبة إياها.
فخلق اللّه تعالى للجنة خلقا يعملون بعمل أهل الجنة، و للنار خلقا يعملون بعمل أهل النار.
فكما أن وجود كل من صفتي اللطف و القهر مما لا بدّ فيه فكذا لا بدّ من وجود مظاهر كل منهما بحسب كل مرتبة، و كما لا اعتراض لأحد عليه تعالى