تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٧ - الفصل الثاني في اثبات كونه تعالى هو الحي القيوم
و هذا أشرف الطرق و أنورها و أفضلها مطلقا، لكون الوجود هو السالك فيها بالحقيقة و المسلك و المسلوك إليه جميعا، و خاصيّة هذه الطريقة هو فناء السالك أولا في التوحيد، ثم بقاؤه بالوجود الحقّاني كما أشير إليه بقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ [٣/ ١٨].
فانظر إلى الطريقة المحمديّة، و قس إليها الطريقة الإبراهيميّة لتجد بينهما من التفاوت ما لا يحصى، فإن طريقة الخليل عليه السلام التجريد المحض، و السفر الأول، و السير إلى اللّه، لقوله: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [٣٧/ ٩٩] و الاحتجاب عن الخلق بالحقّ و ترك ما سوى المرتبة الأحدية، لقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [٢٦/ ٧٧] و هي مما يوجب الذهول عن لوازم الإلهية و المظاهر الأسمائية، و طريقة الحبيب صلّى اللّه عليه و آله حفظ الأدب مع اللّه تعالى و المواظبة على العبودية في المواطن كلّها، و الجمع بين المحبة الذاتيّة و الأسمائية و الآثارية و ملازمة الحق في جميع الأسفار الأربعة- إليه و فيه و به و منه- في قوله تعالى:
هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [٥٧/ ٤] و هذه المعاني مشروحة مفصلة في مسفوراتنا، و ما ذكرناه يكفي للمستبصر فيما نحن بصدده إنشاء اللّه.
فإذا ثبت أن مبدأ الممكنات موجود واجب بالذات ثبت كون الباري قيّوما لكونه قائما بذاته مقوّما لغيره.
ثم إن المؤثر إمّا أن يكون مؤثّرا على سبيل الجبر و التسخير و إما مؤثرا على سبيل القدرة و الاستقلال، لكن الانجبار و التسخير ينافيان الوجوب الذاتي و المبدئية المطلقة، فيتعين أن يكون تأثيره بالقدرة، فازيل توهّم كونه مجبورا في القيّومية و الإيجاد بقوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فإن «الحيّ» معناه- كما سبق- «الدرّاك الفعّال» فقوله «الحيّ» دلّ على كونه عالما قادرا، و قوله: «القيّوم» دلّ على كونه قائما بذاته و مقوّما لكل ما عداه. و عند من ذهب إلى أنّ كمال