تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٠ - إنارة عقلية يزاح بها غشاوة وهمية
محال، فثبت أنّ الوحدة صفة ثبوتية.
و أما عن الثاني فلأنه لا يمكن أن يقال لا تحقّق لها إلا في الذهن لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنّه واحد قد كان واحدا في نفسه قبل أن وجد ذهننا و اعتبارنا.
فثبت أن كون مهية ما واحدة، صفة ثبوتية زائدة على تلك المهيّة، قائمة بها مع قطع النظر عن الاعتبارات و النسب و الحيثيات العقلية.
ثم إن كون الوحدة موجودة لا يستدعي إلا أن تكون واحدة، أعمّ من أن يكون بنفس ذاتها أو بأمر عارض كما في سائر المشتقات- على ما هو التحقيق- بل وزان الأمر في الوحدة كوزانه في الوجود، فإن كون الأشياء موجودة إنّما يكون بالوجود، و كون الوجود موجودا إنّما هو بنفس الوجود لا بأمر زائد عليه لاستغنائه عنه، فكذا الحكم في كون الوحدة واحدا.
على أن المأخوذ في مفهوم المشتقّات هو المعنى المصدري للشيء، و كلامنا في إثبات حقيقة الوحدة، أي ما به الشيء واحد، لا في الواحديّة المصدرية، فإذا كانت للوحدة حقيقة في الخارج لكانت واحدة، لكن لا يلزم أن تكون وحدتها بغير نفسها قياسا على الأشياء الواحدة التي حقيقتها أمر غير الوحدة فتحتاج في واحديّتها إلى أن تقوّم بها وحدة خارجة عن ذاتها، فوحدة الوحدة وراء ذاتها ليست إلا واحديّتها، كما أن وجود الوجود وراء حقيقته ليس إلا نفس موجوديتها- و بهذا يندفع التسلسل المذكور في مثل هذا المقام لأن خطرات الأوهام لا تقف عند حدّ.
و العجب من بعض الحكماء [١] كيف عوّل في نفي موجودية الوجود و الوحدة و غيرهما على مثل ذلك البيان مع أنّه قد حقّق الكلام في باب حقيقة
[١] حكمة الاشراق: ٦٥ و ٦٧.