تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٠ - الفصل الأول في مفهوم هذا الاسم و اشتقاقه
و في الواجب إلى ما يكون عالما بالفعل بجميع الأشياء، قادرا بالذات على كلّ الموجودات، لتعاليه عن القوّة و الكلال، و ارتفاعه عن التجدّد و الانتقال- و لا شكّ أن هذا مما يوجب المدح و الثناء.
أقول: و على هذا التحقيق لا يحتاج إلى ما عدل إليه الخطيب الرازي و تبعه النيسابوري من أن «الحيّ» في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصحّة من هذه الحيثيّة فقط، بل كلّ شيء يكون كاملا في جنسه فإنه يسمى «حيّا» و من هاهنا صحّ أن يقال لعمارة الأرض الخربة «إحياء الموات» و قال تعالى:
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [٣٠/ ٥٠] و قال: إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا [٣٥/ ٩] فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة فسمّيت حيوة، و كمال حال الأشجار أن تكون مورّقة نضرة فسميت حيوة، و الصفة المسماة بالحياة في عرف المتكلمين كمال للجسم، لأن كمال الجسم أن يكون حسّاسا متحرّكا، فلا جرم سميت هذه الحالة حيوة فثبت أن المفهوم من «الحيّ» هو «الكامل في جنسه» و الكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حيّ بالحقيقة إلا واجب الوجود لذاته- انتهى قوله [١].
و فيه من التعسّف ما لا يخفى على الذوق المستقيم:
أما أولا فلأنّ دعوى كون «الحيوة» في اللغة بمعنى ذي الشعور و العقل الإرادي بعيد عن الإنصاف كما يظهر لمن تتّبع موارد استعمالات هذا اللفظ.
و أمّا ثانيا فلأن كمال كل شيء- في جنسه أو نوعه- لو كان حياته في عرف اللغة لجاز أن يقال في اللغة لكل كامل في جنسه أنه حيوان، و ليس كذلك إذ لا يقال للذهب الكامل العيار: إنه حيوان. و للثوب الكامل في نسجه: إنّه حيوان
[١] مفاتيح الغيب للرازى: ١/ ٤٦٦ ملخصا.