تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٩ - ذكر تنبيهي
بقائها بمبدئها و غايتها.
فلو لم يأمر اللّه عبده و لا يأذن داعي الحق له في الدخول في بابه و الوصول إلى جنابه في مثل قوله: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [٧٣/ ١] فمن الذي يقوم من نومه للصلاة أكثر الليل، و يصوم كلّ النهار؟ و
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل البعثة يسهر ليله و يظمأ نهاره، و يقوم للعبادة في جبل حرا، حتى تورّمت قدماه، و كان يقول:
«قرّة عيني في الصلوة»
و ذلك لغاية أنسه بذكر اللّه و عبادته، لأجل معرفته و علمه بثمرة العبودية، و هي غاية الربوبية وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [١٥/ ٩٩] فاللّه سبحانه كان محرّكه و داعيه، و مربّيه و راعيه، لا شيء آخر دنيوي أو اخروي.
و لهذا سمّاه «يتيما» في قوله أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى أي في جنة القدس و جوار اللّه و قربه، و إليه أشير
بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة»
- و جمع بين السبابة و الوسطى، و إلا فهذا العالم منزل الأنعام و الدوابّ،
«و هذه الدنيا جيفة و طالبها كلاب»
فكيف يكون مأوى أشرف خلق اللّه، و إنما الدنيا كمنزل راكب و فيء زائل
«و هذه دار من لا دار له»
و
في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و آله [١]: «ما مثلي و مثل الدنيا، إلا كراكب استظلّ (قال- نزل- ن) في ظلّ شجرة، ثمّ راح و تركها»
و إنما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى هذا العالم لهداية الخلق و نجاتهم قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [٥/ ١٥] وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [٢١/ ١٠٧].
ذكر تنبيهي
بل نقول محرّك جميع الموجودات هو الباري جلّ ذكره بعشقه الساري
[١]
ابن ماجة: كتاب الزهد، باب مثل الدنيا: «انما أنا و الدنيا كراكب ...»
٢/ ١٣٧٦: