تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٠ - حكمة محمدية
اللّه لقوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ [٢/ ٣٤] بطاعة هذا النائب الربّاني و السرّ السبحاني، و له خلافتان: خلافة صغرى، و خلافة كبرى، فاللّه تعالى لما أراد بقدرته التامة و حكمته الكاملة أن يجعل خليفة من قبله في أرض الخلائق و نائبا مبعوثا من حضرته في إنشاء الحقائق و إفشاء المعاني و بثّ الخيرات على القاصي و الداني؛ سخّر له ما في الأرض جميعا ليجمع له أسباب السلطنة الصغرى الظاهرة- و قد قيل: «السلطان ظلّ اللّه في الأرضين».
و سخّر له ما في السماء ليجمع له أسباب السلطنة العظمى، فبنى له سريرا جسمانيا في بيت معمور القلب، في مملكة البدن و عالم القالب، ثم أمر الملائكة السفليّة بطاعته و انقياده، بقوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ فسجد تحت قدمه كل ما في أرض البدن و جبال العظام، و مياه الفم و العين و الاذن، و أقاليم الأعضاء السبعة الظاهرة- و هي اليدان و الرّجلان و الظهر و البطن و الرأس- و نجوم الحواسّ، و جحيم المعدة، و زبانية القوى الطبيعيّة، و عرش القلب، و كرسيّ الصدر، و سماوات الدماغ المشحونة بالإلهامات العقليّة و المعاني الفكريّة من جهة اللطيفة النورية- و هي بمثابة الملأ الأعلى لهذه الخليفة و الملأ الأسفل بمنزلة الشياطين و أعداء اللّه، و النفس الخارج من باطنه بمنزلة هيولى القابلة لبسائط الصور و مركّباتها، و الحروف الهجائية بمنزلة الصور النوعية البسيطة الفلكية و العنصرية، و الكلمات الثلاث- و هي: الاسم و الفعل و الحرف- بمنزلة المواليد الثلاثة: الجماد و النبات و الحيوان.
فإذا تمّ له الخلافة الصغرى أيّده اللّه تعالى بجنود لم تروها لأجل الخلافة العظمى، و سخّر له بهذه الجنود الروحانية جميع عالم الملك و الملكوت، لقوله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [٤٥/ ١٣] ثمّ أمر بطاعة هذا النائب الرباني و سجود هذا الخليفة الإلهي جميع ملائكة الكونين فسجد له الملائكة كلهم أجمعون، فتمّ له الخلق و الأمر نيابة عنه تعالى أَلا