تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٦ - تظليل فرشي فيه تنوير عرشي
في العروق و خرج منه العرق و ارتاض و سلك سبيل الطاعة للنّفس. و اشتغل في بيت القلب للنسك الطبيعي، و مكث قدرا صالحا من الزمان للعبادة البدنية صلح لأن يلبس كسوة الصورة البدنية بيد القوّة المصورة، مؤدّيا لشكر هذه النعمة الجسمية فضلة من الزائد عن الحاجة بيد القوة المولّدة لتصير مادة لبدن آخر مثله في النوع.
فإذا علمت حال استكمال البدن بما يكمله، و يزيده في المقدار و القوة إلى أقصى ماله من الكمال فاعلم أن حال استكمال النفس في أغذيته النفسانية و العقلانية بهذا المنوال، فإن النفس بقوّتها الإدراكية أحضرت عندها صورة محسوسة، فأول ما تصرّفت فيها بقوتها المتصرفة هو أن نزعها عن كدر المادّة التي هي كالفضلة الاولى للغذاء، و الهاوية لأهل العقوبة و الجزاء، فسمّى هذا الفعل من النفس ب «الإحساس» و هو تصرّف فعليّ من النفس، و هو كمال انفعاليّ للحواسّ.
ثمّ وقع منها تصرّف آخر في تلك الصورة و هو تقشيرها مرّة اخرى تقشيرا أتمّ، حتى خلعت عنها الأغشية المادية، و هذا هو «التخييل» و «التصوير» و الصورة عند ذلك كمال للخيال و غذاء له، و نسبتها إليه نسبة المحسوس إلى الحسّ.
ثم فعلت فعلا آخر بحيث انتزعت منها المادة و عوارضها بالكلية، إلا أنه بقي لها علاقة إلى المادّة، بحيث تضاف إلى مادة مخصوصة و هو «التوهّم».
ثمّ إذا عملت فيها عملا آخر، نفضت عنها آثار المادة و عوارضها و علائقها و شواغلها، فصارت لبّا خالصا سائغا للبيب العقل الذي هو ملك من ملائكة اللّه لأنها تخلّصت من الذنوب و الجرائم المادية، و المعاصي