تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٦ - البصيرة السابعة في توضيح القول بأن المنافقين أسوء حالا و أشد عذابا من الكافرين، و أن كان هؤلاء أخس رتبة و أدون منزلة منهم
البدنية و الملاذّ الحسيّة عن المصالح الكلية و اللذات العقلية، و حرمانهم عما يرد على قلوب السّلاك و الواصلين من الحالات الكشفية الجنانية (الخيالية- ن) و الواردات الذوقية الملكوتية.
إلى غير ذلك من الأفعال و الأعمال، التي هي من عادات علماء السوء، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب و اكتفوا بقشور من العلوم الجزئية التي وصلت إليهم بالنقل و الرواية من أهل التكلّم و الخطاب، و قنعوا بصورة الأعمال من غير تفقّد القلوب و إصلاح النفوس عن الوسواس، و تتّبع آثار أئمة الكشف و الطهارة من أهل بيوت النبوة و الولاية صلوات اللّه عليهم أجمعين و متابعة قلوبهم و ضمائرهم في طلب مرضات اللّه و الاجتناب عن محارمه، و الزهد عن هذه الدار و منزل الأشرار لطلب المنزلة عند اللّه و مقرّبيه و ملكوته و مجاوريه في دار القرار و معدن الأخيار و الأبرار.
و أشار سبحانه في الآيتين المنقولتين إلى ما ذكر من كون الكافرين أعظم عذابا و المنافقين أشد ألما بوجه لطيف، حيث وصف عذاب الفرقة الاولى ب «العظمة» و عذاب الفرقة الثانية ب «الإيلام».
و في المقام إشارة اخرى و هي أن الفرقة الاولى لكونهم أشد احتجابا و أعظم إبعادا عن الحقّ، فهم أشبه بأن يكونوا من جنس أصحاب النار و أهل جهنم بحسب الفطرة الأصلية، بخلاف الفرقة الثانية فإن لهم جهة من القرب و المنزلة بحسب جوهر الاستعداد، و لكن ظلموا أنفسهم باكتساب الرذائل و الاعتياد بزخارف عالم الأضداد، فالنار للأولى كالمنزل و المأوى، و للثانية كالسجن و المحبس للمحنة و البلوى.
و بالجملة فرق بين كون الشيء من أصحاب النار و كونه معذّبا بها، و ليس من ضرورة كون الشيء مصحوبا بالشيء المؤلم أن يكون متألّما به،