تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٢ - المطلب الخامس في دلالة هذه الآية على توحيد الأفعال كما مرت الإشارة إليه
الفيض للواهب الجواد.
و يؤيّد ما ذكره قول بعض المشاءين: الأول يبدع (مبدع- ن) جوهرا عقليا هو بالحقيقة مبدع، و بتوسطه جوهرا عقليا و جرما سماويا.
و قول بعض توابع الرواقيين: إن النور القوي لا يمكّن النور الضعيف في الإنارة، فالقوة القاهرة الواجبية لا تمكّن الوسائط لشدة نوريّتها و قهرها للكل، ليس شأن ليس فيه شأنه تعالى.
و تحقيق هذا المقام أن لكل ممكن ماهية و وجودا به يتحقق ماهيته و يتحصل و الوجود في الجميع معنى واحد بسيط لا اختلاف فيها إلا بالشدة و الضعف، و الكمال و النقص، و أما الاختلافات النوعية و الجنسية بين الممكنات و تخصيص كل منها بنقائص و ذمائم و خواص و لوازم فإنما هو من جهة ماهياتها و مراتب إمكاناتها الناشئة من تننزلات الوجود.
فالفائض من الواحد الحقيقي و القيّوم الأحدي هو أمر واحد منبسط على هياكل الممكنات و ذلك الأمر هو محصّلها و مخرجها من القوة إلى الفعل و من العدم إلى الوجود و من الكمون إلى البروز، فالوجود أمر واحد مجعول للواحد الحق، و المراتب المختلفة بالتقدّم و التأخّر و الأولية (و الاولوية- ن) و اللحوق ناشئة عن خصوصيات الماهيات الحاصلة من تنزّلات الوجود.
فالوجود في كل مرتبة يقتضي ماهية خاصة، تلزمها خواص و لوازم حاصلة بلا جعل جاعل و تأثير مؤثر، لأن الماهية و لوازمها غير مجعولة، فعين الكلب مثلا ماهية تقتضي النجاسة العينية من غير جعل و إفاضة يتعلقان بها و إنما الفائض من الباري جلّ ذكره هو وجودها، فليس له تعالى إلا إفاضة الوجود، فإن نفس الوجود هو نور يفيض منه تعالى على القوابل حتّى القاذورات و الأعيان