تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩ - مقدمة المؤلف
جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنظر ما يصنع، قال: فجئت، فإذا هو ساجد يقول:
«يا حي يا قيّوم» لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت و هو يقول ذلك- فلا أزال أذهب و أرجع و أنظر إليه و لا يزيد على ذلك إلى أن فتح اللّه له».
و ناهيك إيقانا بهذا أن الذكر و العلم يتبعان المذكور و المعلوم و أشرف المذكورات و المعلومات هو اللّه تعالى بل هو متعال عن أن يقال: «إنه هو أشرف من غيره» لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة و مشاكلة، و هو مقدّس عن مجانسة ما سواه، و لما كانت الآية مشتملة من نعوت جماله و أوصاف كبريائه على الأصول و المهمات فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات.
فقد ثبت مجملا و تحقّق بما أشرنا إليه قبل الخوض في بيانه أن لآية الكرسي بخصوصها سيادة و شرافة على كل واحدة واحدة من آيات القرآن، لأنها أجمع من كل منها و أشمل لمعان هي روح القرآن و لبابه الأصفى- من معرفة الذات و الصفات و الأفعال- إذ ليست هذه المعاني مجموعة في غيرها من الآيات و هي بأسرها مذكورة فيها، فإن قوله تعالى: «اللّه» إشارة إلى الذات الموصوفة بالوجوب و الغنى الذاتيين، «و الإلهية» إفادة الوجود و إعطاء الكمال و الخير و الجود لغيره و قوله: «لا إله الّا هو» إشارة إلى توحيد الذات و نفي الممائل في الوجود و الشريك في الإيجاد و الشبيه في الصفة.
و قوله: «الحيّ القيّوم» إشارة إلى نعت الذات و جلالتها و عظمتها لما فيه من معنى الحيوة المأخوذ فيه العلم و القدرة و سائر ما يتعلق بهما و يتعلقا به (و متعلقاته- و متعلقا به- ن) إذ «الحي» هو الذي يدرك و يفعل، و معنى «القيّومية» المستفاد منه جميع الصفات الكمالية و البراءة عن جميع النقائص الإمكانية، فإن معنى «القيّوم» هو الذي يقوم بنفسه و يجب بذاته و يقوم به غيره فلا يتعلق قوامه بشيء، و هو يستلزم سلب النقائص كلها، إذ ما من نقيصة إلا و منبعه الافتقار الذاتي