تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠ - المسألة الخامسة في إعرابه و نظمه
و على الثاني أن الموجود الحق بنفس هويّته إله للعالم، لا بصفة زائدة على ذاته، أي: صنعة الإلهية في الواجب ليست كصنائع ذوي الصناعات الإمكانية التي صانعيّتها إنما يتحقّق بشيء زائد على ذاتها، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما- و هو النطق- و نكتب بالآخر- و هو صنعة الكتابة- و كذا النار تتجوهر بصورتها المخصوصة و تحرق بحرارتها، و كذا الشمس تتذوّت بشيء و تضيء وجه الأرض بشيء، ثم لا يكفي في هذه المبادي الفاعليّة الذات و الصفة، بل يحتاج مع ذلك إلى قابل و حركة، حتّى يظهر منها آثارها، لأن شأنها الإعداد و التحريك، لا الجود و الإفاضة؛ و أما الإله المحض، و الجواد الحقّ فلا ينقسم بشيئين، بأحدهما تجوهر ذاته و بالآخر إلهيّته، بل هو بذاته إله و بنفسه خلّاق، و إلا لاحتاج في إيجاد صفة إلهيّته إلى الهيّة اخرى، و هكذا حتى يتسلسل أو يدور و كلاهما ممتنع، فهو اللّه بذاته، هو الرحمن الرحيم بنفسه، لا بصفة زائدة بها تحصل الإلهيّة.
أما ارتباطه بما سبق فهو أن من عادته سبحانه و تعالى في هذا الكتاب المجيد أنّه يمزج هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض- أعني علم التوحيد، و علم الأحكام و علم القصص- و المقصود من ذكر القصص إما تقدمة دلائل التوحيد و إما المبالغة في إلزام الأحكام و التكاليف؛ و هذا الطريق هو الأحسن في الهداية و اللائق بالإنسان، فإن الكلام في النوع الواحد كأنه ممّا يوجب له الملال، فأما إذا وقع الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع فكأنه ينشرح به الصدور و يفرح به القلب و ينشط به الذهن و ينتعش الطبع، فيصير به الكلام أقرب إلى فهم معناه و العمل بمقتضاه، و إذ قد تقدم من علم الأحكام و القصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد.