تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٥ - المطلع الخامس في تحقيق العلاقة العقلية و الملازمة الذاتية بين الكفر و طاعة الشيطان كما يستفاد من هذه الآية
و من هاهنا يعلم أن إبليس و إن كان أصله من الملك إلا أنه لم يكن إلا منافقا مغالطا جاهلا كافرا، و ما زعمه بعض الجماهير أن الشيطان كان من أعلم العلماء فكلامه مزيّف سخيف، و كأنهم لم يفرقوا بين العلم و المغلطة، و لا بين الحكمة و السفسطة، و خصوصا على مذهب من يمنع الإحباط كما ذهب إليه أصحابنا الإمامية- رضوان اللّه عليهم-.
و من الدلائل على سبق كفره قوله تعالى: كانَ مِنَ الْكافِرِينَ [٢/ ٣٤] و مما يؤيّد ما ذكرناه من أن إبليس كان كافرا في أول الأمر ما حكاه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول «الملل و النحل» [١] عن شارح الأناجيل الأربعة شبه مناظرة بين إبليس و الملائكة بعد الأمر بالسجود:
قال إبليس لعنه اللّه: إنّي سلمت أن الباري تعالى إلهي و إله الخلق، عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمته أسئلة:
الأول أنّه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عنّي، فلم خلقني؟ و ما الحكمة في خلقه إيّاي؟
الثاني إذ خلقني على مقتضى إرادته و مشيّته فلم كلّفني بمعرفته و طاعته؟ و ما الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة و لا يتضرر بمعصية و كل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟
الثالث إذا خلقني و كلّفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة و الطاعة، فأطعت و عرفت فلم كلّفني بطاعة آدم و السجود له؟ و ما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص؟ فإذ لم أسجد فلم لعنني و أخرجني من الجنة و أوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك، ولي فيه أعظم الضرر؟
[١] ما نقله (ره) مقتبس مما جاء في المقدمة الثالثة من مقدمات كتاب الملل و النحل.