تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٠ - المنظر الرابع في تقرير الإشكال في خلود العذاب بالنار لأهل النكال من الكفار و الجواب عن هذا السؤال حسب ما يتأتى لأحد من المقال
أعلى ما يمكن من النعيم حينئذ في حقّه.
و بالنسبة إلى المحجوبين الغافلين عن اللذات الحقيقيّة أيضا عذب من وجه كما
جاء في الحديث: «إن بعض أهل النار يتلاعبون فيها بالنار»
و «الملاعبة» لا تنفكّ عن التلذّذ- و إن كان معذّبا- لعدم وجدانه ما آمن به من جنّة الأعمال التي هي الحور و القصور.
و بالنسبة إلى قوم يطلب استعدادهم البعد من الحقّ و القرب من النار و هو المعنى بجهنّم أيضا عذب، و إن كان في نفس الأمر عذابا كما يشاهد هاهنا ممّن يقطع سواعدهم و يرمي أنفسهم من القلاع- مثل بعض الملاحدة- و لقد شاهدت رجلا سمّر في اصول أصابع إحدى يديه خمسة مسامير غلظ، كلّ مسمار مثل غلظ القلم، و اجتهد المسمّر ليخرجه من يده فما رضى بذلك، و كان يفتخر به و بقي على حاله إلى ان أدركه الأجل.
و بالنسبة إلى المنافقين الذين لهم استعداد بالكمال و استعداد النقص، و إن كان أليما لإدراكهم الكمال و عدم إمكان وصولهم إليه، لكن لما كان استعداد نقصهم أغلب، رضوا بنقصانهم و زال عنهم تألّمهم بعد انتقام «المنتقم» منهم بتعذيبهم، و انقلب العذاب عذبا، كما نشاهد ممّن لا يرضى بأمر خسيس أولا، ثمّ إذا وقع فيه و ابتلى به و تكرّر صدوره منه تألّف به و اعتاد، فصار يفتخر به بعد أن كان يستقبحه.
و بالنسبة إلى المشركين الذين يعبدون غير اللّه من الموجودات فينتقم منهم «المنتقم» لكونهم حصروا الحقّ فيما عبدوه و جعلوا الإله المطلق مقيدا، و أما من حيث أن معبودهم عين الوجود الحق الظاهر في تلك الصورة فما يعبدون إلا اللّه، فرضي اللّه عنهم من هذا الوجه، فينقلب عذابهم عذبا في حقهم.
و بالنسبة إلى الكافرين أيضا و إن كان العذاب عظيما لكنهم لم يتعذّبوا به