تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٩ - اللمعة الرابعة
أن لا يكون فيك استعداد التجاوز عن درجة العوام، و إلا فيكون تقصيرك فيما تستدعيه بقوة استعدادك و سكونك عما تطلبه بلسان قابليتك لمرادك، موجبا لك سخط الباري في آخرتك و معادك، و باعثا لعذابك بانقطاعك عن مبتغاك و مناك.
و على أي الحالين فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره، كما ليس للبهيمة نصيب من البرّ إلا في قشره الذي هو «التبن».
و القرآن غذاء الخلق كلّهم على اختلاف أصنافهم، و لكن اغتذائهم به على قدر درجاتهم، و في كل غذاء مخّ و نخالة و تبن، و حرص الحمار على التبن أشد منه على الخبز المتّخذ من اللبّ، و أنت و نظرائك شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهائم، و لا تترقى إلى درجة الإنسانية- فضلا عن الملكية- فدونكم، و الانسراح في رياض القرآن؛ ففيه متاع لكم و لأنعامكم.
و إن كنت من قبيل الرجل الثاني فبسبب رسوخ قدمك في تحقيق الدين و كشف الحق و اليقين، و انزعاجك عن درجة الناقصين، و تجاوزك عن مقام الظن و التخمين- تيسّر لك أن تعرف عرفانا كشفيا أو علما ذوقيا، أن التنّين الذي أشار إليه الرسول صلّى اللّه عليه و آله في الحديث المذكور، ليس مجرّد تخويف بلا أصل و محض تخييل بلا حقيقة كما يفعله المشعبذون- فإن كلام اللّه و كلام رسوله أعظم و أجل من أن يحمل على مثل هذا المعنى الذي حمل عليه بعض الغافلين المتفلسفين، و أن المزاح و العبث و الجزاف كلها ممقوت عند ذوي المجد، حتى قال الشبلي: «الوقت كلّه جدّ لا يحتمل المزحة» فكيف كلام اللّه و كلام رسوله وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ [٨٦/ ١٤] نعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين-.