تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٢ - شك و تحقيق
فيكون له الحكم و الغلبة في الإنسان، فيتمكّن و يستوطن في قلبه و يجعله عشّا له.
فإن كانت الغلبة لحزب اللّه بعلامات يعرفها أرباب القلوب في أنّه خلق للجنّة لسابق التقدير و سابق القضاء، فيكون اللّه متولّي أمره و مخرجه من الظلمات- التي هي الدواعي النفسانية بحسب فطرة النفس- إلى نور العرفان بتوفيق الطاعات و فعل الخيرات.
و إن كانت الغلبة لحزب الشيطان لكونه خلق للنار فيسرّ له أسباب المعصية لحكمة إلهيّة و مصلحة قدريّة يعرفها أهل اللّه، فيكون الشيطان و جنوده أوليائه و أحبائه و متولّي أمره و مخرجيه من النور الذي كان له بحسب فطرة الروح، المشار إليه
بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «كلّ مولود يولد على الفطرة»
[١] إلى الظلمات الدنياوية من الشهوات و اللّذات و لا يرغبهم الطاغوت فيها، لقوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [٤/ ١٢٠] يعدهم بالتوبة و يمنّيهم بالمغفرة إلى أن يهلكهم بهذه الحيل و ما يجري مجراها.
كل ذلك غير خارجة عن قضاء اللّه و قدره، كما قال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [٦/ ١٢٥] و قوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [٣/ ١٦٠].
فهو الهادي و المضلّ، يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، خلق الجنّة و خلق لها أهلا، و خلق النار و خلق لها أهلا، و عرّف الخلق- و خصوصا أوليائه- علامة أهل النار و أهل الجنة، فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [٨٢/ ١٤].
و لمّا كان الغالب على أكثر الخلق جانب النفس و الميل إلى الظلمات
[١] مضى آنفا.