تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٠ - الفائدة الثالثة
فإذا علمت هذين الضربين من الفاعليّة، و علمت خصوصيّة كل منهما و امتيازه عن صاحبه بخواصّ و لوازم، ظهر لك أنّ التعب و المشقة و الإودة لا يعرض إلا لفاعل جسماني، لا يفعل إلا بأن ينفعل و يتحرّك من حال إلى حال، و يكون فاعليّته على سبيل المباشرة.
و أما الذي فاعليته لشيء بحيث إذا أراد أن يقول له: «كن» فيكون، أي يكون مجرد إرادة الفعل منه مقتضيا لحصول فعله من غير أمر زائد يكون متوسطا بينه و بين فعله- كايجاده تعالى عالم الأمر- أو يكون الوسط حاصلا بأمره من غير مدخلية مادة و استعداد و حركة- كايجاده لجواهر السموات و الأرض بواسطة أمره- أو مع مدخليّتها- كايجاده حوادث الفلكية و الأرضية بإفادة الأسباب و إفاضة الاستعدادات و الحركات من غير تغيّر فيه تعالى، و إليه أشار بقوله سبحانه: وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي لا يتعبه إدامة جواهر ما في السموات و ما في الأرض- هذا إذا كان الضمير المفعول كناية عنه تعالى، و أما إذا كان راجعا إلى «الكرسي» فالحكم بعدم عروض التعب و المشقّة ثابت للكرسي، لأنّه بحقيقته و ذاته من وسائل جوده تعالى و ربّانيته و جهات كرمه و رحمانيته التي لا تبيد و لا تنقص أبدا فلا يلحق له مشقة و تعب، و إذا لم يحصل له فاستحال حصوله للحق بالطريق الاولى.
و بالجملة كلّ ما هو علة لشيء بالحقيقة و الذات- لا بحسب القسر للإعداد و الاستعداد- فيكون المعلول من توابع ذاته و رشحات وجوده بمنزلة الظلّ للشخص، فكما لا يثقل و لا يشقّ وجود الظلّ على الشخص و استتباعه إيّاه، فكذلك المعلول بالقياس إلى ما هو علّة له بالذات، و هذه الأسباب التي يظن الناس أنها علّة، إنما يؤدها وجود ما ينسب إليها، لأنها ليست عللا بالحقيقة، بل بحسب المجاز، و ما هو علّة بالحقيقة لا يلحقه الفتور في تأثيره، اللهم إلا أن