تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٣ - و أما معنى«القيوم» في اللغة
المبالغة في كل لازم وضعت للتعدية- كما هو شأن باب الإفعال و التفعيل و حروف الجرّ- بل المراد أن الشيء إذا صار تامّا في معنى من المعاني و اشتدّ تمامه فيه حتّى صار فوق التّمام يفضل منه ذلك المعنى على غيره، فكذلك المبالغة في معنى القيام مما تستدعي- عقلا لا لفظا- الإقامة و الإدامة و الحفظ.
و الحاصل أن دلالة «القيّوم» على «الحافظ المديم لكل شيء» دلالة عقلية لا وضعية، و كثيرا ما يذكر في اللغة المعاني الالتزاميّة التي صارت لكثرة الاستعمال بمنزلة المعنى المطابقي.
ثم لأحد أن يقول لم لا يجوز أن يكون القيّوم بالمعنى المذكور غير مأخوذة من قام بالمعنى الذي مرّ، بل بمعنى آخر مناسب قد ترك استعماله فيه- و نظائره في اللغة كثيرة. مثال ذلك «يذر» و «يدع» المأخوذان من «وذر» و «ودع»- على رأي- و أصلاهما مهجوران في الاستعمال-.
و أمّا في الجواب: فلأنّ المبالغة في لفظ واحد لا تكون إلا مبالغة واحدة في معناه الأصلي، فإذا سلم كون المبالغة في هذا اللفظ ممّا يجعل معنى «القيام» معنى «الحفظ» فلم يحصل من المبالغة في القيام التي هي من أسباب التعدية بحسب اللفظ- على ما تصوّره و فرضه- إلا مجرّد الحفظ، لا الاستقلال فيه فمن أين حصل معنى «الاستقلال» من التعدية التي مفادها الحفظ و الإدامة و منشأها المبالغة في معنى القيام؟ ليتفرّع عليه توقفه على إعطاء ما به القوام.
بل الحقّ أن يقال في هذا المقام: أن هذا المعنى أيضا يحصل من المبالغة في أصل القيام، فإنّ الشدة و الكمال فيه على الوجه الأبلغ الأوفى كما يوجب الإقامة للغير يوجب الاستقلال في الإقامة أيضا، و هذا مما لا يحصل إلا بإفادة أسباب كل شيء و إعطاء ما به قوام ذاته و وجوده، و لهذا حكموا بأن لا مؤثر في الوجود إلا اللّه، و هذا أحد الوجوه لتوحيد الأفعال، و به تعلم أيضا وجها