تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٩ - المنظر الرابع في تقرير الإشكال في خلود العذاب بالنار لأهل النكال من الكفار و الجواب عن هذا السؤال حسب ما يتأتى لأحد من المقال
إلى كماله المعين له أزلا، فكما أن الجنّة موعود بها كذلك النّار و الاعراف موعود بهما.
و الإيعاد أيضا شامل للكلّ، فإن أهل الجنّة يدخلون الجنّة بالجاذب و السائق، قال اللّه تعالى: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ [٥٠/ ٢١] و الجاذب: المناسبة الجامعة بينهما بواسطة الأنبياء و الأولياء، و السّائق: هو الرحمن بالايعاد و الابتلاء بأنواع المصائب و المحن، كما أن الجاذب إلى النار: المناسبة الجامعة بينهما و بين أهلها، و السائق: الشيطان، فعين الجحيم موعود لهم لا متوعّد بها.
و الوعيد: هو العذاب الذي يتعلّق بالاسم «المنتقم» و تظهر أحكامه في خمس طوائف لا غير، لأن أهل النار أما مشرك أو كافر أو منافق أو عاص من المؤمنين، و هو ينقسم إلى الموحّد العارف الغير العامل، و المحجوب، و عند تسلّط سلطان «المنتقم» عليهم يتعذّبون بنيران الجحيم، كما قال تعالى: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [١٨/ ٢٩] وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [٤٣/ ٧٧] لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ [٢/ ١٦٢] و قال: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [٤٣/ ٧٧] اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ [٢٣/ ١٠٨].
فلما مرّ عليهم السنون و الأحقاب و اعتادوا بالنيران و نسوا نعيم الرضوان قالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [١٤/ ٢١] فعند ذلك تعلّقت الرحمة بهم و رفع عنهم العذاب، مع أن العذاب بالنسبة إلى العارف الذي دخل فيها بسبب الأعمال التي تناسبها عذب من وجه و إن كان عذابا من وجه آخر، كما قيل:
و تعذيبكم عذب و سخطكم رضى
و قطعكم وصل و جوركم عدل