تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٢ - التحقيق الثالث في معنى الايمان بالله
الواجب بالذات، مع أنا نجد من نفسنا أنّا نتحرّك إن نشاء، و نسكن إن نشاء فكيف نكون مسخّرين، و الحال أن حركاتنا و سكناتنا بأنفسنا لا بغيرنا؟
فنقول في الكشف عنه: إنّ حركاتك و سكناتك بمشيّتك، إلا أن مشيّتك ليست بمشيّتك، بل بقضاء اللّه و قدره- إذ لو كانت كذلك لافتقرت تلك المشيّة إلى مشيّة اخرى و هكذا إلى غير النهاية- فإذا لم تكن مشيّتك بمشيّتك فهي لازمة لك من أسباب قدريّة موديّة إليها، فإذا لم تكن المشيّة إليك فمهما وجدت المشيّة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت و لا سبيل لها إلى المخالفة و إذا انصرفت لزمت الحركة ضرورة بالقدرة، و القدرة محركة ضرورة عند انجزام المشيّة، و المشيّة تحدث في القلب بالأسباب الخارجية المشاهدة، و هي تحدث بالأسباب الغائبة عنّا، فهذه ضروريّات مترتّبة بعضها على بعض، و ليس للعبد أن يدفع وجود المشيّة، و لا انصراف القدرة إلى المقدور، و لا وجود بعث المشية للقدرة، فهو مضطرّ في الجميع.
و لا يتوهمن أحد أن هذا خلق الأعمال، الذي ذهب إليه الأشاعرة، القائلين بالجبر المحض من غير اختيار.
فإن قلت: ما ذكرت أيضا جبر، و الجبر ينافي الاختيار، فكيف يكون إنسان واحد مضطرا و مختارا؟
قلت: لو انكشف لك الغطاء عن عين البصيرة بنور الاهتداء لعرفت أنك مجبور في عين الاختيار، و تحقيقه يفتقر إلى تحقيق معنى الاختيار، فاطلبه من كتب اولي الأبصار، ليظهر لك ما يظهر لهم: أنه لا يتقدّم متقدّم و لا يتأخّر متأخّر إلا بالحقّ و اللزوم؛ فكل ما بين السماء و الأرض حادث على ترتيب واجب و حقّ لازم، و لا يجرى في الملك و الملكوت طرفة عين و لا فلتة خاطر و لا لفتة ناظر إلا بقضاء اللّه و قدره و إرادته و مشيّته، لا رادّ لقضائه و لا معقّب لحكمه يُضِلُ