تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٩ - خاتمة
فمن كان حاله ما وصفناه فلا يحتاج إلى التقريرات النظريّة و تكرير المقدمات المتداولة الجمهوريّة التي أكبّ عليها أهل الاشتهار، لأنها ممّا وقع عليها له المرور في أوائل التحصيل و الانزعاج من المقام قبل أن وقع في الطريق المستقيم إلى اللّه الملك العلّام، لقوله: إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [١٩/ ٧٢].
و هكذا كان حال شيخ السالكين إلى اللّه الجليل إبراهيم الخليل- على نبيّنا و آله و عليه السلام- حيث اشتغل أوّلا بصفة المحاجّة على الحقّ و المجادلة عليه مع قومه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ الآية [٢/ ٢٥٨] ثم أخذ في طريق البرهان و الكشف الذي حال السالك في نفسه- لا بالقياس إلى غيره- فوقع له المرور على مراتب الوجود حتّى وصل بعد التجاوز عنها إلى الحق المعبود قائلا: [وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ] الآية [٦/ ٧٩].
فهو إمّا مشارك مطّلع يعرف صحّة ما يخبر به بما عنده من النور الذي يسعى بين أيديهم و بأيمانهم، و إمّا مؤمن صحيح الفطرة صافي الايمان يشعر بصحّة ما سمع من وراء ستر رقيق، لكونه مستعدّا للكشف، متهيّئا للتلقّي، منتفعا بما يسمع، مرتقيا بنور الايمان إلى مقام البيان فلهذا وقع منّا الاكتفاء بالتنبيه و التلويح و رجّحناهما على البسط و التصريح، تأسّيا لما رجّحه اللّه تعالى و اختاره في كلامه المتين، و اقتداء بما أمر به سيّد المرسلين صلوات اللّه عليه و آله أجمعين حيث قال: قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [١٨/ ٢٩].
و لم يأمره بإقامة المعجزة و إظهار الحجّة على كل ما يأتي به و يخبر عنه