تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٧ - المطلع الخامس في تحقيق العلاقة العقلية و الملازمة الذاتية بين الكفر و طاعة الشيطان كما يستفاد من هذه الآية
صلصال لا أسجد إلا لك [١] فالشبهات كلها ناشية من اللعين، و تلك في الأول مصدرها، و هذه في الأخيرة مظهرها، و لهذا قال تعالى: وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٢/ ١٦٨] و شبّه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كل فرقة ضالّة من هذه الأمّة بأمّة ضالّة من الأمم السالفة،
فقال: «القدريّة مجوس هذه الامّة»
و
«المشبّهة يهود هذه الامّة»
و
«الغلاة نصاراها»
و
قال صلّى اللّه عليه و آله جملة: «لتسلكنّ سبيل الأمم قبلكم حذو القذّة بالقذّة و النعل بالنعل، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه».
و أما الزاعمون بأن إبليس كان مؤمنا ثم كفر بعد ذلك، فقد اختلفوا في توجيه ما ذكرناه من قوله تعالى: كانَ مِنَ الْكافِرِينَ [٢/ ٣٤] فمن قائل معناه:
كان من الكافرين في علم اللّه- أي كان عالما في الأزل بأنه سيكفر- فصيغة كان متعلق بالعلم لا بالمعلوم.
و من قائل: أن «كان» بمعنى «صار».
و قيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمنا، فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين، و إنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره و اعتقاده كونه محقّا في ذلك التمرّد بدليل قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [٧/ ١٢] و إلا فمجرّد المعصية لا يوجب الكفر عندنا و إن كانت كبيرة، و كذا عند المعتزلة و إن خرج عن الايمان لم يدخل في الكفر، نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.
[١] الحجر: ٣٣: «لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حما مسنون».