تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٥ - أساس حكمي يبتنى عليه اصول عرفانية
مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [٢٧/ ٨٢].
و لنعد إلى ما كنّا بصدده، و ليعذرني أبناء العقول السليمة، فإن الكلام يجرّ الكلام، و ارتحلنا به إلى هذا المقام، و كان كلامنا إن للحقائق أمثالا في العوالم بل بناء كل عالم على وجود المظاهر و الأمثلة، فإن جميع صور هذا العالم أمثلة لما في العالم الأعلى، يظهر للنفس الإنسانية بواسطة مرائي الحواس و مظاهر المشاعر، بل كل من كان في عالم من العوالم، يكون ذلك العالم شهادة عنده حاضرة لديه، و غيره غيبا عنه محجوبا عن نظره، و الخلق وثوقهم و اعتمادهم على ثبوت الصور الموجودة في هذا العالم، دون غيرها من الصور الموجودة في عالم آخر أعلى من هذا العالم، لاختلاطهم بالحواسّ و امتزاجهم بالمحسوسات؛ و العرفاء بخلافهم.
كما
روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال: [١] «أنا أعرف بأحوال السماء من أحوال الأرض»
و
قول النبي صلى اللّه عليه و آله: [٢] «أطّت السماء، و حقّ لها أن تئطّ. ليس فيها موضع قدم إلا و فيه [ملك] ساجد و راكع»
صريح في أنه صلّى اللّه عليه و آله قد علم أحوال كل شبر من أشبار السماء. و ما تعلق بها من نفس و عقل عبّر عنهما بالساجد و الراكع.
و العامة و الظاهريون من العلماء إنما اعتمادهم على صور هذا العالم، لعدم استطاعتهم على تجريد كل صورة عن جميع خصوصيات المواد، فإذا تجردت صورة عن بعض خصوصيات المادة التي عاهدوها فيوشك أن ينكروها، لإلفهم بالمادة المخصوصة، و اعتيادهم بالصور المحسوسة، و أما العالم الراسخ فكلّما
[١]
في نهج البلاغة (الخطبة: ١٨٧) «انا بطرق السماء اعلم منى بطرق الأرض»
و جاء أيضا بلفظ آخر في الغرر و الدرر للآمدي (باب السين- سلوني).
[٢] الدر المنثور: ٥/ ٢٩٣ و المسند: ٥/ ١٧٣.