تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٨ - الفائدة الثالثة
من العوالم، من أحصاها- أي عرفها و عرف لوازمها و آثارها و بدايتها و غايتها- وجبت له الجنة، و هي الكمال العلمي العرفاني، أي العلم بحقائق الأشياء كما هي عليها الموجب لمشاهدة المثل العقلية و الأشباح الجنانية الموعودة- إنشاء اللّه- جزاء لصالح العمل و مرضي السعي.
فكما أن عالم الجبروت من الملائكة العقلية- بجملة عددها الكثيرة و ضروبها التي لا يحيط بها غير اللّه- هو عالم قدرة اللّه تعالى و مظهر جبّاريته و مستوى اسم «الجبار» كذلك «عالم الكرسي» بجملة ما فيها من ملكوت السموات و الأرض «عالم رحموته» و مظهر رحمانيته و مستوى اسم «الرحمن» إذ برحمته قامت السموات و الأرض، فالكرسي صورة رحمانية اللّه تعالى على الخلائق و بها يعطف بعضهم بعضا بالترتيب الحكمي و النظم السببي و المسببي، فلكل سبب خاص، عطوفة و رحمة على مسببه بإيجاده و إقامته و حفظه و إدامته.
ثم اعلم أن العلة الفاعلية بحسب المشهور على ضربين: أحدهما الفاعل الذي يحتاج في فاعليته إلى حركة و آلة و قابل- كالكاتب و البناء- و مثل هذا الفاعل يقال له في عرف الإلهيين ب «المعدّ» و «المحرّك» و هي العلة بالعرض و ثانيهما الفاعل الذي لا يحتاج إلى حركة و آلة جسمانية و قابل- و هو الفاعل في عرفهم- و إن سئلت الحقّ فليس الفاعل بالحقيقة إلا ما هو بريء بالكلية عن جهة الإمكان، و ما هو إلا الواحد الحق- كما مرّت الإشارة إليه.
فالفاعل بالمعنى الأول لتعلّقه بالمادة الجسمانيّة و تحرّكه عند تحريكه يلحقه لا محالة كلال و إعياء و دثور و فناء، لأنّ الجسمانيّات متناهية الذوات، متناهية القوى و الانفعالات، كما أنها متناهية الامتدادات و الاتصالات، فيصحبها الكلال أولا ثم الزوال ثانيا، و قد صرّح بعض الحكماء بأن الفاعل الجسماني قابل في الحقيقة لفعله لمباشرته إياه، و أمّا القوى الفعالة المقدّسة عن شوب