تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٢ - البصيرة الثامنة في الكشف عن صيرورة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها، بمزاولة أفعال الأشرار و اكتساب ملكات الكفار و الفجار، من الأعمال الشهوية و الغضبية و الشيطانية، التي هي من صفات البهائم و السباع و الشياطين
و الهيئات إنما هي امور طبيعية لازمة ليست كصناعيات (بصناعيات- ن) يمكن زوالها و انفصالها، فيكون كالأعضاء في كونها طبيعية- لا كالألبسة القابلة للانخلاع و الانفصال- و إذا كان كذلك فاختلاف الأبدان في هيئة الأعضاء و خلقة الأشكال دليل اختلاف النفوس في الحقائق.
و كقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [٧٤/ ٥٠- ٥١] و قوله تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [٢/ ٦٥] يعني بحسب النفس- مع بقاء البدن على صورته الظاهرة، و إلا يلزم التناسخ المستحيل- فهم صاروا لانحطاطهم عن العالم العلوي الإنساني إلى الأفق السفليّ الحيوانيّ قردة مشابهين للناس في الصورة و ليسوا بهم في النفس و العقل، خاسئين: أي بعيدين طريدين.
و المسخ في الحقيقة حقّ غير منكر في الدنيا و الآخرة، كما وردت به الآيات و الأحاديث، و
قد روي عنه صلّى اللّه عليه و آله المسوخ [١]
، ثمّ عدهم و بيّن أعمالهم و معاصيهم و موجبات مسخهم، حاصله: أن من غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات و رسخ فيه بحيث أزال استعداده الأصلي و يمكن (تمكن- ظ) في طباعه، و صار صورة ذاتية له- كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا- صار طباعه طباع ذلك الحيوان و نفسه نفسه، فاتّصلت عند المفارقة ببدن يناسب صفته، فصارت صفته صورته- كما سنتضح.
و قوله: وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ [١٧/ ٩٧] أي على صور الحيوانات المنتكسة الرؤوس. و قوله تعالى: قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [٤١/ ٢١] و قوله تعالى: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[١] الخصال: أبواب الثلاثة عشر: ٢/ ٤٩٤.