تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٩ - الفائدة الثالثة
الانفعال المادي، المرتفعة عن حضيض العالم السفلي فهي مسلوبة التغيّر عن حالها، ممتنعة التجدّد في فعالها، بريئة الذوات عن لحوق معنى عارض يوجب كلالها و ملالها، أو مضادّ مفسد يقتضي فسادها و زوالها.
فهي وسائط فيض الحق و روابط جوده و مكثر جهات رحمته و مفنّن شعوب فضله وجوده، فهي بالحقيقة عباد الرحمن المؤتمرون بأمره، المتزجّرون بنهيه و زجره، كما وصفهم اللّه تعالى بقوله: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [٦٦/ ٦].
بخلاف الفاعل بالمعنى الأول، فإنّه لوقوعه في عالم الأضداد و تصادم صور المواد ربما يعوق عن فعله المقصود لمانع، و يقطع عن طريقه المصمود إليه لقاطع.
و إن أردت زيادة التوضيح فقد أودع اللّه تعالى في نفسك هذين الضربين من التأثير، أي: الإبداع و التحريك و هو المسمى بالإحداث أيضا، لأنّ الحدوث يعرض الحركة بالذات و لما يقترنه بالعرض.
ف «الإبداع» إيجاد شيء لا عن شيء، و مثاله فيك تصوّرك للأشياء بقوّتك المصوّرة و مثولها بين يديك في عالمك الخاصّ على وجه يكون وجودها لك نفس مشاهدتك إياها؛ و «الإحداث» هو جعل الشيء شيئا، و مثاله فيك تكلّمك و كتابتك بآلات و أسباب طبيعية أو غيرها.
ففي الضرب الأول لا يصرف منك شيء إلا مجرد الالتفات و العناية، و في الثاني يصرف منك المادة و الآلة و الزمان و القوة شيئا فشيئا، فيحصل منه المفعول تدريجا و يكمل عند انقضاء الحركة و الزمان، و هما مقدار خروج المادة إلى الفعل، و توجه القوة و الآلة نحو الكمال، تقرّبا إلى المبدإ الفعّال.