تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٠ - المنظر الثاني في بيان أن منشأ الخلود في النار هو الكفر لا غير خلافا للمعتزلة القائلين بأن صاحب الكبيرة يخلد في النار
أن الشيطنة المعنوية للأولى أبعد عن الحضرة الإلهية من السبعية و البهيمية بما لا يقدّر قدره. فالإنسان برسوخ الرذيلة النطقية يصير شيطانا مريدا- و الشيطان الذي هو إبليس إنما كان أبعد الخلق عن اللّه تعالى، و موضع اللعن هو إبليس و مظهر اسم «المضل» لأنه كان جبرئيل الأصل، فبالجهل المركب انقلب عن كونه ملكا كريما إلى كونه شيطانا لعينا- و برسوخ الرذيلتين الأخريين يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع، و كل حيوان أرجى صلاحا و أقرب فلاحا من الشيطان، و لهذا قال تعالى هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [٢٦/ ٢٢١- ٢٢٢] و ذلك لكونه أبعد عن قبول التغيرات و الاستحالات، بخلاف الحيوان لكونه أقرب إلى أفق ما يتغيّر و يستحيل فينجو عن العذاب.
فثبت مما ذكرنا أن ذنوب القوة النطقية و معاصيها أعظم عند اللّه من ذنوب القوة الجسمانية، و أما عند جمهور الناس حيث يكون نظرهم مقصورة على الأمور المحسوسة فالأمر بعكس ذلك، و لهذا المعنى قال سبحانه في باب الإفك: وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [٢٤/ ١٥].
فعلم مما ذكرنا فساد مذهب المعتزلة و الزيدية القائلين بخلود صاحب الكبيرة مطلقا في النار، و قد أشرنا سابقا أن ضربا من الكبائر التي توجب للنفس رذيلة نطقية راسخة أو يكون نفس تلك المعصية كاشفة عن ذلك- كصدور بعض المعاصي من بعض الناس في بعض الأمكنة و الأزمنة، مثل شيخ كبير السنّ في زمرة المنتسبين إلى العلم يباشر الملاهي و الغنا عند جوار الروضات المقدّسات- فمثل هذه المعصية و إن كانت من ذنوب القوى الحيوانية إلا أنها دالّة على فساد الاعتقاد بحرمة الرسول و أولاده الأمجاد- عليهم عظائم التسليمات من الملائكة الجواد- فمنشأ الخلود في العقاب بالحقيقة ليس إلا رذيلة الناطقة كالكفر و ما يوجبه.