تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٤
وجه المطلوب- و أما نفس الصفاء و الصقالة فلكونها أمرا عدميّا ليست مقصودة بالأصالة، بل لأجل ما يظهر بها أو يتصور فيها من آيات الحقّ و جلايا وجهه على أن الزهد في الدنيا- على أيّ وجه كان- لا شيء محض، لكون الدنيا لا شيئا محضا، و العاقل لا يزهد في اللاشيء، و
في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [١]: «لو كانت الدنيا تزن عند اللّه بقدر جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء»
و في القرآن: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [٣/ ١٨٥].
و مدّة الحيوة الدنيا بالقياس إلى دوام الآخرة كلحظة، و سعة مكانها بالقياس إلى مكان الآخرة كذرّة كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و آله: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أحدكم غمس إصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع»
فترك هذا القليل واجب و ليس بزهد في الحقيقة، و إنما ورائها عالم آخر بل عوالم اخرى- إليها رجعي الطاهرات من النفوس وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا [١٧/ ٢١].
فمن أراد أن يعرف عظمة اللّه و عظمة أسمائه الحسنى- التي يكون عالم الآخرة ظلالها، و هذا العالم ظلال ظلالها- و يجد من رحمة اللّه نصيبا أكثر و حظّا أوفر فليزهد عن الآخرة، و ليزهد عن الزهد فيها أيضا، حتى يخوض لجّة الوصول، و يخلص عن نفسه و قلبه بالكلية، و قيل: الزهد في الدنيا يريح النفس، و الزهد في الآخرة يريح القلب، و الإقبال بالكلية إلى اللّه يريح الروح.
و اعلم أن العوالم و النشآت الوجودية بمنزلة طبقات بعضها محيطة ببعض و السالك إذا صعد من عالم و ولج في عالم آخر، كان كأنه مات من الأول، و تولّد في الثاني،
قال عيسى عليه السّلام: «لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرّتين».
[١] - الجامع الصغير: ٢/ ١٣١.