تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٩ - حكمة محمدية
العقارب و الكلاب و الموذيات و المعذّبات، و سؤال المنكر و النكير.
و هذا أيضا مما صعب دركه على أكثر أرباب الدقّة و البحث، و العقول الفلسفيّة و الطباعيّة و الدهرية، و لا يمكنهم الايمان به، لكونه فوق أطوار عقولهم، فلم يقنعوا كسائر الناس بالتقليد المحض فيه، لاعتيادهم بعدم الإذعان بشيء إلا من جهة الدليل، و ليس للدليل إلى الأمور الشهوديّة و الكشفيّة سبيل، فأخذوا في التعجّب قائلين: «كيف يجوز أن يسئل الإنسان و يخاطب في قبره، و ينزل عليه ملكان يشهدهما الإنسان و يخاطبهما و يسمع كلامهما، و لم يرهما غير الميّت و لم يسمع شيء منهما؟!» و في هذا المقام سرّ عظيم لا يجوز التصريح به إلا لمن ماتت رغبته في الدنيا، و خرج روحه عن هذه المقبرة السوداء.
و الغرض أن الإنسان الكامل جامع بجميع ما في العالم الكبير من الجواهر و الأعراض، و السماء و الأرض و النجوم، و الملك و الجنّ و الحيوان، و الجنّة و النار و الكتاب و الصراط و الميزان و غيرها، فهو خليفة اللّه في الأرض و السماء فله جوهر ذاته و أعراض صفاته، و سماء رأسه و نجوم حواسّه و شمس قلبه و أرض بدنه، و جبال عظامه و طيور قواه الإدراكيّة و وحوش قواه التحريكية بل كل ما أوجده اللّه تعالى في عالمي الملك و الملكوت فهو مأمور بطاعة الإنسان الكامل و سجوده لأنه خليفة الرب تعالى، و مظهر جميع الأسماء لقوله:
وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [٤٥/ ١٣] و قوله: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [١٣/ ٢٠] فجميع ذرّات الكونين يسبّح له كما يسبّح للّه تعالى، و
قد ورد في الحديث [١]: «إن العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض، حتى الحيتان في البحر».
فجملة أهل الملكوت و الملك، و ملائكة اللّه كلهم أجمعين، مأمورة من
[١] ترمذى: كتاب العلم، الباب ١٩: ٥/ ٤٩.