تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٦ - المطلب الثالث في كلمة«ما»
و القهر له تعالى، و توسيع ملك وجوده و تفسيح دائرة هويته بحيث يتقهّر و يضمحلّ الكلّ عند عظمة كبريائه، و تفنى كلّ في و ظلّ حين سطوع نور جلاله و بهائه، فالمناسب فيه أن يجعل الكل- و إن كانوا عقلاء كاملين في وجوداتهم- بمنزلة ذوي النقائص في الوجود.
أو لا ترى إلى قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كيف يدلّ على حالة طلوع شمس الحقيقة و ظهور الوحدة التامة و فناء كلّ شيء و رجوعه إليه عند القيامة، كذوبان الجميد بطلوع الشمس، كما قال تعالى حكاية عن مثل هذه الحالة: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [٤٠/ ١٦] مشيرا إلى ظهور دولة حكم المرتبة الأحدية، و كذا قوله: وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ يشير إلى هذا المقام، أى بروز الوحدة التامّة و فناء الكثرات و زوال التعيّنات فإنه إذا ظهر علوّه و عظمته فمن ذا الذي يكون له رتبة الوجود في جنب عظمته و علوّه، و لذلك عبّر عن الجميع بلفظ «ما» الدالة على مطلق الشيئية العامة، التي تشمل المعدوم و الموجود و المحال و الممكن، لكونها غريقا في الإبهام بعيدا عن التحصّل و التعيّن.
و ممّا يدل على هذا- أى جعل ذوي العقول مستهلكة العقول في جنب عظمته و سطوع نور جلاله و سطوته- قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [٢/ ١١٦] حيث أتى أشياء بعينها في مقام واحد هو مقام الأحدية و ظهور سلطان الذات و تجلّى العظمة و الجلال باسم الإبهام، و في مقام آخر هو مقام الكثرة و ظهور سلطان الأسماء و تجلّى صفات الرحمة و الجمال باسم الجميعة الكماليّة تنبيها على ما ذكرناه.