تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٥ - المطلب الثالث في كلمة«ما»
موصولتين أو استفهاميتين أن «من» إنما يستعمل في ذوي العقول دون «ما» و لكن بينهما فرق آخر عند ما استعملتا استفهاميتين: و هو أن أحدهما سؤال عن ماهية الشيء و حقيقته، و الآخر سؤال عن هويّته و نحو وجوده.
و أما النكتة في إيراد لفظ «ما» في قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ دون «من» في الموضعين، مع أن الموجود في كل منهما مشتمل على ذوي العقول و غير ذوي العقول هي أنه لما كان الغرض نسبة الموجودات إليه سبحانه بالمخلوقيّة و المملوكيّة، و كان الغالب فيها ما لا يعقل، أجرى الغالب مجرى الكل، فأطلق القول و عبّر عن الجميع بلفظ «ما» تنبيها على أن المراد من هذه الإضافة مجرد المخلوقية.
هذا ما قيل، لكن في الحكم بأن الغالب في السماويات ما لا يعقل محل نظر و كذا في السماويات و الأرضيات جميعا فإن الأفلاك و ما فيها أحياء ناطقون مسبّحون لربهم عند الحكماء الإسلاميين، و ما
وقع في الحديث [١] أنه «ليس فيها موضع قدم إلا و يوجد فيه ملك ساجد أو راكع»
يؤيد ذلك.
و في بعض خطب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه من كتاب نهج البلاغة [٢] تصريحات بليغة ناصّة على كون الأفلاك و ما فيها من الملائكة مسبّحون لربهم و ساجدون و راكعون بحيث لا يسأمون، إذ لا يغشاهم نوم العيون و لا فترة الأبدان و لا شبهة في أن التسبيح و الصلاة لا يصدر إلا من العقلاء، و أيضا قوله تعالى:
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [٢١/ ٣٣]- حيث وقع بالواو و النون- يؤيّد ما ذكرناه و ينوّر ما قررناه.
فالوجه أن يقال: إن هذه الآية لمّا كانت في مقام إثبات التوحيد و الجلالة
[١] المسند: ٥/ ١٧٣. در المنثور: ٥/ ٢٩٣.
[٢] نهج البلاغة: الخطبة رقم: ١ و ٨٩.