تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٩ - الرشحة الثانية في انتظامه بما سبق
الرشحة الثانية في انتظامه بما سبق
لما ذكر الدّين و أنه لا يحصل بالإكراه، شرع في شرح ماهيّته و قال: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ أي: وضح و انكشف مما ذكر سابقا من شواهد المعرفة أن الدين الحقيقي الذي هو سلوك سبيل اللّه و قطع المنازل و المراحل التي بين العبد و مولاه المسمّى بالرشد و الهدى من «الضلال الحقيقي» الذي هو سلوك سبيل الشيطان و الهوى و هو المسمى بالغواية و الغيّ.
و وجه هذا التبيّن و الانكشاف أن طريق الحق ليس إلّا واحدا، و طرق أهل الضلال و إن كانت مختلفة متكثّرة لا يمكن إحصائها، لكن إذا عرف هذا الواحد و انكشف لدى العارف البصير بالبصيرة الباطنة أنه طريق الحقّ يتبيّن و يتحقّق أنّ ما سواه طريق الضلال.
فجميع طرق الضلال يعرف بمجرد معرفة طريق الحق، إذ يصدق على كل منها أنه غير الحقّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ و لهذا
ورد عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: [١] «ستفرق امّتي على ثلاث و سبعين فرقة، و الناجية منها واحدة»
و هذا العدد المعيّن لما سوى الفرقة الناجية إنما هو بحسب الأجناس الكليّة، و إلا فهي بحسب الخصوصيّات: فغير محصورة كما مرّ، و مع هذا من عرف طريق النجاة يعلم أن غيره طريق الهلاك.
[١] راجع بحار الأنوار: كتاب الفتن و المحن الباب الاول: ٢٨/ ٤.