تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٩ - و أما المنهج الحكمي البرهاني الكاشف عن الرموز النبوية و الحقائق القرآنية و مسلك العقل الفرقاني الشارح لأسرار العقل القراني
استعدادية بالقياس إلى كل صورة و صفة- و هذا أمر بيّن- و لهذا يتصور كل شيء- و لو بوجه ما- و ينفعل عن كل شيء، و ذلك للطافته و صفاء جوهره و صقالة ذاته و من هاهنا يكتسب الإنسان الصنايع و يتّخذ الملكات الصناعية كالكتابة و الفلاحة و التجر و غيرها.
فإن كان ما يزاوله و يباشره من باب الأمور العقليّة كالتعقّلات و التصوّرات الروحانيّة و الأفعال القدسيّة و يكون كثير المراجعة إلى اللّه تعالى بالتسبيحات و التقديسات و الأوراد و الأذكار و سائر الأمور المقرّبة إليه، و كثير التفكّر في أمر آخرته و قيامه عند الحقّ و مثوله بين يدي اللّه، و كثير التذكّر للموت و الساعة، و هكذا حاله مدّة مديدة إلى أن يشتدّ فيه هذه الصفة- فيحصل في نفسه الجوهر الصوري و النور الإلهي، الذي ذكرنا إنه فعّال للمعقولات النوريّة و الصور الاخروية الأفلاطونية التي ذهب إلى وجودها أفلاطن و من تقدّمه من أشياخه الكرام، و أنكرها من تأخّر من الحكماء الباحثين إلى يومنا هذا- و قد منّ اللّه علينا بفضله و إحسانه بمكاشفة هذه المثل النورية و أثبتناها في أسفارنا الإلهية.
و إن لم يكن كذلك و لم تبلغ نفسه إلى هذه المرتبة فلا يخلو إما أن يكون كثيرة التأثير و الانفعالات من اللذّات الدنيوية، شديدة الاشتغال بالأفعال الشهوية و الغضبية من محبة المال و الجاه، و محبة الترفّع على الناس، و التكبّر و الاستطالة على الخلق، و الشهرة عند الناس، و الركون إلى الدنيا و الإخلاد إلى الأرض و غير ذلك من الأفعال الحيوانية التي بعضها شهويّة و بعضها غضبيّة.
فإن (فمن- ن) كان الغالب عليه مباشرة الأفعال الشهويّة توجب أن تحصل للقوة القابلة النفسانية صورة بهيمية مشتاقة إلى فعل الشهوات دائما، سواء كانت آلات الشهوات موجودة معها أو مفقودة بالموت.