تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨١ - البصيرة الثامنة في الكشف عن صيرورة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها، بمزاولة أفعال الأشرار و اكتساب ملكات الكفار و الفجار، من الأعمال الشهوية و الغضبية و الشيطانية، التي هي من صفات البهائم و السباع و الشياطين
نظام خلقته أربعة شوائب، و لذلك اجتمعت عليه أربعة أصناف من الأوصاف:
السبعيّة، و البهيميّة، و الشيطانيّة، و الملكيّة. فهو من حيث تسلّط كل منها عليه يفعل أفعال نوع يكون تلك الصفة لازمة لذاته، ناشية عن حقيقته، إلى أن يغلب عليه إحدى هذه الصفات بأن يصير خلقا له و ملكة راسخة في نفسه صعبة الزوال، فيكون الإنسان في آخر الأمر و منتهى العمر حكمه حكم ذلك النوع، بل ينقلب حقيقته يوم الآخر إلى حقيقة ذلك، يكون صورته عند الحشر بعينها صورته- كما سنوضحه إنشاء اللّه تعالى.
و نريد أن نبيّن ذلك و ندلّ على تحقيقه بطرق ثلاث من الحكمة البرهانيّة، و الخطابية الظنّية، و صنعة المجادلة الإلزاميّة، كما قال تعالى سبحانه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [١٦/ ١٢٥] و لنستدرج في البيان من الأدنى إلى الأعلى:
فالأول ما يستحسنه الجماهير و تقبله الأسماع من النقول الواردة في باب انقلاب صور الأشقياء و هيئاتهم يوم الآخرة إلى ما يناسب أفعالهم و نيّاتهم من القرآن و الحديث و الأخبار:
أما القرآن: فكقوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ [٧/ ١٧٩] و ليس المراد أنهم كذلك بحسب هذه النشأة الدنياوية، بل في النشأة الآخرة التي هي دار ظهور الأشياء على ما هي عليها يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [٨٦/ ٩] و قوله:
ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [٣٢/ ١٢] و قوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [٣٦/ ٨] و قوله: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٦٧/ ٢٢].
و لا شكّ عند ذوي البصائر أن مجعولات الحق في الدار الآخرة من الأشكال