تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٦ - البصيرة الخامسة في معرفة أصحابها
و العملي- كضرب من الأنبياء و الأولياء المطهّرين صلوات اللّه عليهم أجمعين على تفاوت مراتبهم في قصر النظر إليه و عدم الالتفات إلى غيره.
فأجلّهم مرتبة و أحبّهم للّه عشقا من لا التفات له إلى ذاته العارفة بالحقّ، المزيّنة بنور اللّه من حيث هي الذات، فضلا عن التفاته إلى غيرها، فإن الالتفات إلى غير اللّه- و إن كان هو من الذات العارفة- بون و هجران، و إيثار العرفان من جهة كونه عرفانا- و إن كان بالحق- بعد و حرمان، و قصر النظر و الالتفات إلى المعروف به فقط دون غيره وصال و جنّة و رضوان.
و بعد هذه المرتبة العشاق المشتاقين من أهل العرفان و الايمان، كملائكة اللّه العمالة المدبّرة للأجسام، و النفوس الكاملة من الإنسان، أما العشق فلعرفانهم و كمالهم و منزلتهم و حالهم، و أما الشوق المستلزم لنار الحرمان و عذاب المفارقة، فلبقايا وجودهم و التفاتهم إلى غير اللّه، و بقايا قصوراتهم الإمكانية المقتضية للتعلقات بالأجرام.
فهم لأجل عرفانهم و ايمانهم سكنوا درجات الجنان و اختلفوا في مراتب القرب من الرحمن بحسب مراتب عرفانهم قوة و ضعفا، و لأجل قصور ذواتهم عن تمام روح الوصال تأذوا أنواع أذى، إلا أنهم حيث تنورت عقولهم بالمعرفة و الايمان، و لم يتكدر ذواتهم بالجهل و العصيان، و لم يحتجبوا بظلمة الظلم و الطغيان، لم يكن لهم أذى أليم، بل أذاهم أذى لذيذ، لكونه من قبل معبودهم و هم عارفون بأن الأذى من قبله؛ و العاشق إذا علم يقينا أن ما يناله من الأذى مما حصل من جهة (قبل- ن) معشوقة يفرح به، و يكون عين الأذى لذيذا عنده لأنه يتصوّر وصول أثر المعشوق به إليه، و «وصول الأثر أثر الوصول» كما قيل.
و قد مثّل بعض العرفاء هذا الأذى اللذيذ في العقليات بأذى الحكمة و الدغدغة