تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٤ - البصيرة الرابعة في معرفة الجنة و النار
البصيرة الرابعة في معرفة الجنّة و النار
اعلم أن لكلّ منها صورة و حقيقة، فصورة النار كما وصفها اللّه تعالى بأوصاف متعددة من قوله: الْحُطَمَةُ [١٠٤/ ٥] الْكُبْرى [٨٧/ ١٢] نَزَّاعَةً لِلشَّوى* تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى* وَ جَمَعَ فَأَوْعى [٧٠/ ١٦- ١٨] و قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ* لا ظَلِيلٍ وَ لا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ* إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [٧٧/ ٣٠- ٣٢] و بقوله: هاوِيَةٌ* وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ [١٠١/ ٩- ١١] و بقوله: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [١٠٤/ ٦- ٧] و صورة الجنة كما وصفها اللّه تعالى بقوله في عدة مواضع: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [٢/ ٢٥] لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [٤٧/ ١٥].
أما حقيقة النار فلا يمكنني تحديدها و التنصيص عليها بما يساوقها إلا على سبيل التقريب، فيشبه أن تكون حقيقتها هي البعد و النقصان و القطيعة عن الرحمن لا المعنى المصدري، بل الجوهر الذي هو منشأ البعد و الطرد عن اللّه، فإن للوجود درجات متفاوتة و دركات متسافلة، إحدى حاشيته في غاية الشرف و الرفعة و الجلالة- و هو الباري تعالى- و الاخرى في غاية النزول و الخسّة و الدنوّ، و بينهما درجات و منازل و مصاعد و مهاوي.
و حقيقة الجنّة هي القرب من اللّه و مجاورة الحقّ الأول، لا المعنى المصدري بل ما به يتقرّب منه و يتجاور- على قياس ما أشرنا في معنى البعد عن رحمة اللّه- فمن هاهنا يعلم معنى «جهنّم» بالذات و هي الهاوية- لكونها في غاية الهبوط و النزول و البعد عن اللّه العليّ العظيم- و النار- لكونها قطّاعة نزّاعة للشوى- و الحطمة الكبرى- لكونها يحطم و يهلك ما يقع فيها لوقوعها في حاشية العدم