تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١ - مقدمة المؤلف
و قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ إشارة إلى عظمة ملكه و بسطة قدرته. و فيه سرّ شريف و معرفة غامضة سينكشف لك ما يحتمل سماعه طاقة أمثالك عند إيضاحنا نبذا من شرح صفة الكرسي و اتّساعه السموات و الأرض.
و قوله: وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما إشارة إلى كمال قدرته و عدم تناهى قوّته و تنزّهها عن الدثور و الكلال و النقصان و الزوال.
و قوله: «و هو العليّ العظيم» إشارة إلى أصلين عظيمين في الأسماء و الصفات سنشير إلى شرحهما حسبما يحتمله الأسماع.
فمن تأمّل جملة هذه المعاني من التوحيد و التقديس و الجمال و الجلال و العظمة و البسطة و القهر و الملك و الملكوت تامّلا تامّا كاملا و تفكّر فيها تفكّرا شافيا كافيا وجدها غاية مقصد السالكين و نهاية مطلوب المحتاجين، بحيث بها يمكن أن يصل كل ذي حاجة و مسكنة إلى مبتغاه و متمنّاه، و بها ينتهي كل طالب مشتاق إلى شيء مطلوب و كل مشتهي متمنّي إلى نفسه و مرغوب مناه و مهواه، إذ فيها أصل السعادات و منشأها، و غاية الخيرات و منتهاها.
فلنشرع في تفسير هذه المعاني و شرحها حسب ما ألهمنا اللّه بها و منحها على قدر وسعنا و طاقتنا و مبلغ استطاعتنا و قوّتنا، لا على قدر جلالة تلك المعاني و عظمتها و مبلغ شرافتها و حقيقتها، و لنورد جملة هذه المعاني في عدة فصول تكون هي للحقائق العلمية دعامات و اصول، مدرجا كل جملة من المقاصد المتعلقة بكلام مفرد إسنادي خبري في مقالة واحدة ليسهل أخذها على المتأمل الطالب و يتيسّر ضبطها على السالك الراغب، موردا في كل باب قبل الإشارة إلى ما هو صريح الحقّ و الصواب، و قرة عيون أولي البصائر و الألباب طائفة من كلمات القوم و تأليفاتهم و فوائدهم و تدقيقاتهم في الكتاب، ملخّصا لثمرات