تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٣ - المعراج الثالث في إتقان القول بأن الله تعالى هو المبدأ الفعال في إخراج النفوس الإنسانية من ظلمات الجهل و الضلال إلى نور المعرفة و الكمال، و دفع شبهة المنكرين و الجهال
معانيها في أذهانهم و قرائحهم بأبلغ وجه و آكده، بخلاف البعض الآخر حيث تبلّدت أذهانهم و تعصّت عن قبولها، كما قال سبحانه فيهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [٢/ ٧] و كذا قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٢/ ٦] و قوله مخاطبا للرسول صلّى اللّه عليه و آله إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [٢٨/ ٥٦].
فهذا التفاوت في الفهم و الذكاء بين النفوس على هذه الغاية- التي هي أزيد مما بين الأرض و السماء، حيث يكون منهم البليد الذي لا أفلح أبدا في فكره، و منهم شديد الحدس قويّ الذكاء إلى حيث تبلغ نفسا قدسيّة تعرف الأشياء كما هي في زمان قليل العدد- أ يكون حاصلا بمجرّد التعلّم و الكسب من غير تفاوت في أصل فطرة الجواهر؟ أم بفيض إلهي قدري يجعل النفوس مختلفة الذوات صفاء و كدورة، متفاوتة القلوب لطافة و كثافة، لينا و قساوة؟
لست أشكّ في أن أحدا من العقلاء لا ينكر هذا التفاوت الفطري ضميرا و اعتقادا- و إن عاند لسانا و قولا- فإذا بطل أن يكون ذلك بمجرّد الكسب من غير مدخل لعناية اللّه في حقّ البعض دون الآخر فقد ثبت أنه تعالى هو الذي خلق الظلمات و النور، و الجنة و النار، و خلق لكل منهما أهلا كما قال:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [٦٤/ ٢].
فإذا تحقّق هذا المقام بما ذكرناه من الكلام فلنشتغل بحلّ ما عقدوه، و الجواب عمّا ذكروه: أما عن الأول فمن وجهين:
أحدهما أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل و مجاز في الحثّ و الترغيب، و الأصل حمل اللفظ على الحقيقة، على أنّ جواز اطلاق اللفظ في معنى لا يقتضي ثبوت ذلك المعنى، فلا يصحّ التعويل عليه في المقاصد الاعتقادية، و قد اشتهر