تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٤ - المطلع الخامس في تحقيق العلاقة العقلية و الملازمة الذاتية بين الكفر و طاعة الشيطان كما يستفاد من هذه الآية
الإضلال، إلا أن نسبته إلى الملائكة المقربين نسبة الوهم إلى القوة العاقلة.
و كما أن وجود الوهم في العالم الصغير الإنساني منشأ الغلط و الكفر و التغليط- إلا أنه ضروريّ الوجود في إدراك الجزئيات، و يدفع ضرّه و شرّه بالحكمة و البرهان النيّر- فكذلك وجود الشيطان في العالم الدنياوي ضروريّ يوجب تعمير هذه النشأة الدنيوية، و يدفع شرّه و ضرّه بنور الإسلام و طاعة الشريعة الإلهية.
و من هاهنا ينكشف لدى العاقل البصير أن منشأ الكفر ليس إلا محبّة الباطل، و منشأها ليس إلا ترويج الباطل في صورة الحق، و لو نظر أحد بعين (بنور- ن) التحقيق إلى حال الإنسان عند محبّة كل ما يستلذه أو يعتقده أو يطلبه من الأمور الباطلة الزائلة- كالزنا، و أكل مال اليتيم و قتل النفس المحرّمة، و عداوة أولياء اللّه، و محبّة أعداء اللّه- فليس يجده في تلك الحال إلا زاعما- لغاية غروره- أن في ذلك كمالا و حقيقة، و وجودا و دواما، فما لم يعم و لم يصمّ عن مشاهدة بطلان المحبوبات الباطلة و دثور المرغوبات الزائلة لم يقدم على محبتها و طلبتها و مباشرتها.
فمبدأ جميع القبائح يرجع إلى ترويج الباطل في صورة الحق، فالإنسان في هذا الترويج يتبع الشيطان و صار عقله مقهورا لوهمه عند ادعائه له في هذا الترويج و التدليس، و كل من كفر باللّه و آياته فصار من أتباع الشيطان، و محبّيه في هذا التغليط من الوهم للقوة العاقلة لصيرورة عقله مذعنا لوهمه.
و الوهم من جنود الشيطان، لأن فعله الإغواء و تزيين الباطل و ترويجه في صورة الحق، و تابع التابع للشيء تابع لذلك الشيء و التابع للشيء محبّ له، فثبت ما ادّعيناه من أن الكفر منشؤه ولاء الشيطان- بإضافة المصدر إلى المفعول- كما حقّقناه.