تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٧ - المطلب الرابع في معنى كلمة«في»
المطلب الرابع في معنى كلمة «في»
اعلم أن بعض المتكلمين، النافين لوجود ضرب من ملائكة اللّه المقرّبين كالعقول و النفوس، تمسّكوا بهذه الآية و أمثالها على نفي المجرّدات قائلين بأن اللّه تعالى لمّا كان غرضه عرض ما يوجد في مملكته و سلطانه من الموجودات و إظهار المالكيّة بجميع الممكنات، بحيث لا يخرج عن إقليم إيجاده و خالقيّته و ملكه شيء أصلا، فلو كان في عالم القدرة شيء غير جسماني لكان ينبغي أن يكون معدودا من جملة ما أضيف إليه تعالى بإضافة الإنشاء و الخلق و الملك، و منخرطا مع سائر المعدودات في الذكر، بل هو أولى بالذكر من غيره لكونه أشرف و أعظم منها، فلمّا اقتصر على ما في السموات و ما في الأرض و لم يذكر غيرها، علم من ذلك أن ليس للمجرّد وجود، و ذلك لأن لفظة «في» موضوعة لنسبة الظرفيّة، و طرفا هذه النسبة و هو الظرف و المظروف كلاهما جسمانيّان، و كلّ ما في السموات و الأرض لا يكون إلّا جسمانيا و هو المطلوب.
و أما الجواب: فقبل الخوض فيه يجب أن يعلم كلّ أحد أن الحقائق الكليّة و العلوم الحقيقيّة لا يمكن أن تقتنص من الإطلاقات اللفظيّة، فإنّ لكلّ حقيقة سبب خاصّ و علة قريبة لا توجد إلا بها، و كما أن ذات كلّ حقيقة لا تحصل إلا من وجه خاص. فكذا العلم بها أيضا لا يحصل إلا من جهة العلم بمباديها و مقدماتها، إذ العلم هو صورة المعلوم، فهذا هو طريق اليقين و العرفان، و أما الظنون و سائر الإدراكات فربما يحصل من غير هذا الوجه.
ففي مقام لا ينجح فيه إلا المعرفة التامّة و الكشف الصريح لا يمكن استنباطه