تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٥ - اللمعة الرابعة
و من ترقيهم إلى هذا الحد زاد المتفلسفون و الطبيعيون و الأطباء فأوّلوا كلما ورد في الآخرة وردّ و ها إلى آلام عقلية روحانية، و لذّات عقليّة روحانية و أنكروا حشر الأجساد، و قالوا ببقاء النفوس مفارقة إما معذّبة بعذاب أليم، و إما منعّمة براحة و نعيم لا يدرك الحس، و هؤلاء هم المسرفون عن حدّ الاقتصاد، و حدّ الاقتصاد بين برودة جمود الحنابلة و حرارة انحلال المؤولة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الراسخون في العلم و الحكمة و المكاشفون، الذين يدركون الأمور بنور إلهى، لا بالسماع الحديثي، و لا بالفكر البحثي».
أقول: كما أن اقتصاد الفلك في طرفي التضاد ليس من قبيل اقتصاد الماء الفاتر الواقع في جنس الحرارة و البرودة بل الممتزج منهما فكذا اقتصاد الراسخين في العلم ليس كاقتصاد الأشاعرة، لأنه ممتزج من التأويل في البعض و التشبيه في البعض، و أما اقتصاد هؤلاء فهو أرفع من القسمين و أعلى من جنس الطرفين حيث انكشف لهم بنور المتابعة أسرار الأمور على ما هي عليها من جانب اللّه بنور قذف في قلوبهم و شرح به صدورهم، و لم ينظروا إلى هذه الأمور من السماع المجرد و نقل الألفاظ من الرواة ليقع بينهم الاختلاف في المنقول فلا يستقرّ فيها قدم و لا يتعيّن موقف، و أما الذي نحن فيه الآن فكشف الغطاء عن حد الاقتصاد فيه يحتاج إلى استيناف مسلك إلهي و نمط قدسي و انقطاع عن الرسوم، و توجّه تامّ إلى الحيّ القيّوم.
و أما الأنموذج الذي وعدناك ذكره من طريق العلماء الراسخين- الذين لا يعلم بعد اللّه و رسوله متشابهات القرآن غيرهم- فهو مما أذكر مثالا و لمعة منه إنشاء اللّه، لأني أراك قاصرا عن دركه و عاجزا عن فهم سره و حقيقته، فإنه نبأ عظيم و أنتم عنه معرضون.