تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٨ - المعراج الأول في تحقيق الآية
مَقْضِيًّا [١٩/ ٧١] على ما يستوجبه الإنسان بحسب ما يقتضيه طينته الجسمانية الظلمانية.
و يحتمل أن يأول «الظلمات» بالأوصاف النفسانية كالشهوة و الغضب و الوهم قبل أن يسخرها القلب و يستعملها فيما خلقت لأجله، و يستخدمها في طاعة اللّه على وجه التعديل و التوسيط، فإن وجودها لا على وجه المذكور ظلمة و وبال على النفس الآدمية توجب لها الاستحقاق لعذاب اللّه بالجحيم و النار و الموت و الحرمان عن نعيم الأبرار، كما يدلّ عليه أيضا قوله تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً [٦/ ١٢٢].
فثبت أنه تعالى أخرجهم ذلك اليوم بإصابة رشاشة النور- كما ذكر في الحديث [١] المشهور- من ظلمات الطينة حتّى اهتدوا اليوم فآمنوا، و لو لا محبته إياهم و تنويره قلوبهم و مزيد العناية و توليته لهم بالنصرة و المعونة فضلا منه و رحمة لما آمنوا، و كانوا من الكافرين، كقوله تعالى: فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [٢/ ٦٤] و نظائره من الآيات الدالة علي مزيد فضل اللّه لعباده الصالحين.
فما اشدّ سخافة عقل من أنكر مزيد محبة اللّه و عنايته للمحبوبين المقرّبين من الأنبياء و المرسلين و الأبدال الواصلين و يرى أن التوفيق و الهداية و المحبّة من قبله تعالى مساوية (سواسية- ن) النسبة إلى أفضل خلق اللّه و أحبّهم إليه كخاتم المرسلين عليه و آله أفضل صلوات المصلين- و أرذل خلقه و أبغضهم لديه- كالشيطان اللعين؟! بدون تفاوت ذواتهم في ابتداء الفطرة بحسب صفاء جوهر القلب و ظلمته و صفائه و كدورته، اللذان هما من مظاهر قهره تعالى و رأفته و آثار مقته و رحمته كما مرّ ذكره.
[١]
«ان اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره»
و سيجيء ذكر المصنف لهذا الحديث في أوائل تفسير آية النور.