تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٠ - و أما المنهج الحكمي البرهاني الكاشف عن الرموز النبوية و الحقائق القرآنية و مسلك العقل الفرقاني الشارح لأسرار العقل القراني
و إن كان الغالب عليه مباشرة الأفعال الغضبية- من الانتقام و الترفّعات- تحصل للنفس صورة غضبية ظلّامة نازعة إلى فعل الجفاء و الظلم و الجور و العنف- سواء كانت قادرة على ذلك أم لا- و على كلا التقديرين لا يخلو إما أن يكون في نفسه شوق إلى العقليات و استعداد نحو الكمال و الخير- مع جحوده للحق و إنكاره للحكمة- أم لا.
فإن كان الأول فهو أشدّ عذابا و أعظم مصيبة و أدوم ايلاما، لوجود الهيئات المضادّة للحق في نفسه، و الفريقان جميعا من أهل النار و أصحاب الجحيم- كما مرّ ذكره غير مرّة- و ذلك لاحتجابهم عن العالم الأعلى بمباشرة أهل النار و مزاولة أفعال أصحاب الجحيم و اكتساب هيئاتها السوأى آنا فآنا، فانقلبت نفوسهم و انتكست رؤوسهم إلى أقفيتهم و صارت نفوسهم صورا حيوانية، بل أضلّ سبيلا من الأنعام باكتساب الصفات (الصور- ن) الشيطانية، فصارت شياطين مردودين مطرودين عن أفق الملائكة المقدّسين، فبقت في غصّة و عذاب مغلولة مقيّدة بسلاسل التعلّقات تلدغها عقارب الهيئات ما دامت السموات.
و كانت قد ناداها الحقّ فتغافلت، و أسمعها الرسول فتصاممت، و ناصحها الأئمة عليهم السّلام فعاندت و عزّت عن أمر ربّها فاطفئت نورها، فحلّ عليها غضب الحقّ، فهوت إلى درك الشقاء مهوى الأشقياء، فصاروا في ظلم الجحيم صمّ بكم عمي، و قيل فيها: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى* قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [٢٠/ ١٢٤- ١٢٦] و من أعظم الألم إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٨٣/ ١٥] و قد رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٨٣/ ١٤] و أحاطت بهم خطيئاتهم وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [٢٩/ ٥٤] فهم فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [٤/ ١٤٥] متقاعدون