تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٨ - البصيرة الثامنة في الكشف عن صيرورة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها، بمزاولة أفعال الأشرار و اكتساب ملكات الكفار و الفجار، من الأعمال الشهوية و الغضبية و الشيطانية، التي هي من صفات البهائم و السباع و الشياطين
الحق لعدم الاستعداد، و أمّا هؤلاء الذين انسلخوا عن الفطرة فإنّهم كانوا مستعدين (كأنهم- ن) لطلب الحق و سلوك سبيله، فهم شرّ مكانا كما قال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [٨/ ٢٢] و أضلّ سبيلا لابطال الاستعداد للوصول، كما قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ.
و تحقيق هذا المقام إن كل انسان- بحسب الفطرة- روحه التي هي من عالم القدس و الخير و الرحمة قابل للسّعادة الأبديّة، و إنّما ينسلخ عن هذه الفطرة بحسب أعمال قوى يخصّه: قوّة الشهوة، و قوّة الغضب، و قوّة الوهم المنازعة للقوّة العاقلة للروح مع كونها خادمة لها، خلقها اللّه تعالى لأن يستعملها الروح في طريق سفرها إلى اللّه تعالى لتحصيل المراد للمعاد باستخدامها.
أما الشهوة فلجلب ما يتغذى به و ينفعه لحفظ البدن الذي بمنزلة المركب لسفرها.
و أما الغضب فلدفع ما يضادّه و يمانعه و يقطع طريقها.
و أمّا الوهم فلتحصيل العلوم الضروريّة و الحدود الوسطيّة التي يتوقّف عليها كماله، و ذلك الكمال معرفة نفسه التي هي أمّ الفضائل و معرفة مبدئه الذي منه بدو وجوده؛ و معرفة اليوم الآخر الذي غاية رجوعه، و معرفة الملائكة و الرسل صلوات اللّه عليهم، الذين هم وسائط جوده، و معرفة كتب اللّه و الأئمة الطاهرين المهديّين- سلام اللّه عليهم أجمعين- العارفين بحقائق التنزيل و أسرار التأويل (و الاسرار- ن) التي هي واسطة كمال وجوده.
و قد أشار النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى هذا المعنى
بقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه و عترتي» [١].
[١] راجع أسانيد الحديث في ملحقات احقاق الحق: ٩/ ٣٠٩ الى ٣٨٣.