تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٨ - المطلع السادس في توضيح الفرق بين محبة الله و محبة الشيطان
المطلع السادس في توضيح الفرق بين محبة اللّه و محبة الشيطان
اعلم أن المحبة نوعان بحسب المحبّ و المحبوب: محبّة هي من صفات الإنسان بحسب طبيعته البشرية- و هي من هوى النفس الأمارة بالسوء- و محبّة هي من صفات الحق- و هي من آثار الإرادة القديمة الإلهية التي اقتضت خلق العالم بما فيه،
كما قال تعالى: «كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لا عرف».
و قال بعض الحكماء: «لو لا عشق العالي لا نطمس السافل» فمن وكّل إلى محبته النفسانية تعلّقت بما يلائم هوى النفس من أصناف الأصنام التي ينحتها الشيطان، ليسخر بها النفوس و يجعلها من جنوده المعادية المنازعة (المتنازعة- ن) لجنود الرحمان، و جنوده أهل الدنيا المحبين لشهواتها و زهراتها سواء كانوا متسمّين (متسلمين- ن) بالإسلام أو بالكفر، إذ لا فرق عند أرباب الحقيقة بين عبدة الأصنام و عبدة الدنيا.
فكما أن الكفّار بعضهم يحبّون اللات و يعبدونها، و بعضهم يحبّون العزّى و يعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبّون الأموال و يعبدونها، و بعضهم الأولاد و يعبدونها، و بعضهم يحبّ غير ذلك، كما قال سبحانه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [٢/ ١٦٥].
و لهذا أعلم اللّه عباده عن فتنة هذه الأشياء و حذرهم عنها بقوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [٦٤/ ١٥] و بقوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [٦٤/ ١٤] يعنى: فاحذروهم عن محبتهم، لأن محبتهم، يمنعكم عن محبّة اللّه، و هو الحبيب و أنهم العدوّ، لأنهم من توابع ما هو عدوّ بالأصالة