تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧١ - البصيرة السادسة في كيفية توزع الأرواح الإنسية إلى أصحاب الجحيم و الدركات و أصحاب النعيم و الدرجات بقول إجمالي
له بقوله: آمَنَّا بِاللَّهِ و ذلك لأن محل الايمان هو القلب المصفّى و الروح المجرّد بالرياضة و المجاهدة مع القوى المدركة و المحرّكة و صرفها في الأفكار القدسيّة و الأنظار الحكميّة، لا اللسان بفصاحة البيان و علوم العربيّة و غرائب النكت في محاسن الكلام، فإن الايمان متعلّق بعلم الحال لا بطلاقة اللسان في المقال قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [٤٩/ ١٤].
و معنى قولهم «آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» ادعاء علم التوحيد و علم المعاد، الذين هما أصلان عظيمان من اصول الدين، و أساسان كبيران من معارف الحق و اليقين، أي: لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق، و لا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين و المعاد، لأن اعتقاد أهل الكتاب في باب المعاد ليس مطابقا للحق.
و هؤلاء المنافقون قد غفلوا عن أن حقيقة الايمان باللّه و اليوم الآخر ليس مما يتعلق بالأقوال، بل هي مما أنعمه اللّه من الحكمة على من سدّ على نفسه باب وسوسة الشيطان، و أزال عن ضميره الشكوك و الأوهام، ففتح على قلبه باب المعرفة و الرحمة و الرضوان، و أفاض اللّه عليه أنواع كرامته عاجلا و آجلا فمن ذلك يفتح اللّه تبارك و تعالى بابا من خزائن حكمته و هي مختصة بمشيّته لا بمشيّة الخلق و دواعيهم، و جمعهم أسبابها- من الكتب و الأسانيد العالية من الأساتيد- فإنه تبارك و تعالى يؤتى الحكمة من يشاء.
و ظنّ قوم من الفلاسفة و أرباب البحوث و الأنظار أنّ الحكمة تحصل بمجرد التكرار، أم هي من نتائج الأفكار، و ما فرقوا بين المعقولات و الحكميات الإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين و أهل الكفر، و بين المقبول و المردود.