تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٤ - المسألة الثالثة في أن القبلية و البعدية المستفادتين من الكلام بأي وجه كانتا؟
و منها: ما فعلوا من خير و شر و ما يفعلونه بعد ذلك.
و منها: ما ذكره نجم الدين الداية في تفسيره المسمى ب «بحر الحقائق»:
يعلم- أي الذي يشفع عنده و هو محمد صلى اللّه عليه و آله، لأنه مأذون في الشفاعة أصالة كما مرّ تحقيقه- ما بين أيديهم- من أوليات الأمور و مقدماتهم قبل خلق الخلائق، و هو عالم الأرواح التي خلقها اللّه قبل الأجساد بألفي عام- و ما خلفهم- من أحوال القيامة و أهوالها و فزع الخلق و غضب الرب و طلب الشفاعة من الأنبياء و قولهم: «نفسي، نفسي» و رجوعهم بالاضطرار.
أقول: و يحتمل وجها آخر و هو أن يكون المراد من «ما بين أيديهم» صور المعلومات الجزئية الحسية أو البديهيات، و «ما خلفهم» صور المعقولات الكلية أو النظريات، لتقدّم الاولى و تأخّر الثانية بالقياس إلى الإنسان و عدم حصول الثانية له إلا بوسيلة سبق الاولى، كما قيل «من فقد حسّا فقد علما».
و حاصله أنه تعالى عالم بجميع الأشياء- جزئية كانت أو كليّة- و من جملتها الشافع و المشفوع له، و الجهة التي بها يستحق الشفعاء للشفاعة، و المشفوع لهم للاستشفاع- دون غيره، حتى أن الشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقّون هذه الدرجة الرفيعة و المنزلة العظيمة عند اللّه سبحانه، و لا يعلمون أنه سبحانه هل صيّرهم مأذونين في الشفاعة أم لا؟ بل يستحقّون المقت و الزّجر، فإن العزّة للّه جميعا، و الممكن بحسب ذاته متخمر من الكدورة و الظلمة المنشأة عن ماهية الإمكانية، و إنما المنوّر لها و المخرج إيّاها من العدم و الإبهام إلى الوجود و التحصيل، و من القصور و النقصان إلى التمام و التكميل هو الحق تعالى القيّوم بذاته، الذي يعطى نور الوجود لما يشاء- كل بحسبه و يصطفي من الملائكة و البشر رسلا و أنبياء، و يكسيهم كسوة العزّة و البهاء و القدرة و الغنى، و منزلة الهداية و الشفاعة في الاولى و العقبى.