تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٠ - التحقيق الثالث في معنى الايمان بالله
فإن قال: و أنا منهم فإنّي لا أهتدي إلّا إلى عالم الشهادة، و لا أعلم شيئا سواه.
فيقال له: إنكارك لما شاهدنا مما وراء المحسوسات، كإنكار السوفسطائية للحواسّ الخمس و محسوساتها، فإنهم قالوا: «ما نراه لا نثق به، فلعلّنا نراه في المنام».
فإن قال: و أنا من جملتهم فإنّي شاكّ أيضا في المحسوسات.
فيقال: هذا شخص فسد مزاجه و امتنع علاجه فيترك، فما كل مرض يقوي على علاجه الأطباء و لا كلّ داء له دواء، بل رب داء أعيت الأطباء في تحصيل الدواء.
و أما الذي لا يجحد، فإن كانت عينه التي يشاهد عالم الملكوت صحيحة في الأصل، نزل فيها ماء أسود لاعتياده بملاحظة عالم الظلمات، فيمكن الاشتغال بتنقيته- اشتغال الكحّال بالعيون الظاهرة- و إن كان غير قابل للعلاج- لكونه مختوما على قلبه- فلم يمكن أن يسلك فيه سبيل التوحيد العقلي، بل يكلّم معه بكلام التوحيد و يكلّف بالتنطق بشهادة التوحيد ردّا لذروة التوحيد إلى حضيض فهمه، و هذا هو التوحيد اللائق بحال القاطنين في عالم الشهادة، فإن للتوحيد مراتب، بحسب كل عالم مرتبة.
و توحيد عالم الشهادة أن يعلم الرجل الجاسي أن المنزل يفسد بصاحبين، و البلد يهلك بأميرين، فيقال له على حدّ عقله الذي هو بمنزلة حسّ أهل العلم:
«إن إله العالم واحد إذ لو كان فيهما آلهة إلّا اللّه لفسدتا» فيكون ذلك هو اللائق بقدر عقله، و قد كلّف الأنبياء أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم.
و أما الصفات الثبوتية:
فإن من يعلم أن الموجود الواجب نسبته إلى جميع الممكنات نسبة واحدة